الحديث في سيرة السباعي رحمه الله

 من المعلوم أن أي مصنف في السيرة إنما يحوز على قيمته العلمية باعتماده على صحيح الروايات التي يوردها ومن المعلوم أيضا أن الحديث قد حظي بمجهودات جبارة في مجال التوثق والتحقق من صحته، يشهد لذلك العلم الشامخ الذي تختص به هذه الأمة، وهو علم الجرح والتعديل.

غير أن روايات السيرة النبوية لم تحظ بمثل تلك الجهود، حيث حدث تساهل من لدن الإخباريين في التوثق من صحة تلك الروايات. ولا عجب في ذلك ما دام غرض الإخباريين ذكر الأخبار، في حين كان الحلال والحرام –أي التشريع، وهو من الدين- غرض المحدثين ولذلك تشددوا: ” قيل ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ فقال: لأن يكون هؤلاء خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لِمَ لَمْ تذُبّ الكذب عن حديثي؟”2.

غير أن هذا لا يعني أن موضوع السيرة خلا من الروايات الصحيحة، بل يمكننا العثور على أئمة أعلام رووا السيرة بطريقة المحدثين، أي بذكر الأسانيد، وحرصوا على أخذها ممن عُرِف بعدالته وضبطه. ولذلك يُذكَر عن الإمام الزهري رحمه الله أنه جمع في السيرة كتابا عُرِف بِ “سير الزهري”3، قال عنها السهيلي رحمه الله: “وهي أول سيرة في الإسلام”4.

كما يُذكَر أن لموسى بن عقبة رحمه الله –وهو تلميذ للإمام الزهري- مغازي صحيحة. ولذلك كان الإمام مالك رحمه الله “يثني عليه، ويقول: عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي”5. وممن استجاب لهذا التوجيه الإمام الشافعي رحمه الله، إذ “كان يعتمد مغازي ابن عقبة”6، والإمام البخاري رحمه الله، إذ ذكر روايات لموسى بن عقبة في صحيحه ومن أمثلة التزام منهج المحدثين في رواية السيرة كتاب ابن عبد البر رحمه الله: “الدرر في اختصار المغازي والسير” الذي يقول عنه محققه: “نحن إذن بإزاء سيرة نبوية محررة، سيرة لا تعتمد على كتب السيرة المشهورة وحدها، بل تعتمد أيضا على كتب الحديث ورواية الموثقين مع الموازنة بين الأخبار والأحاديث واستخلاص الآراء الصحيحة، ومع الوفاء بالدقة في أسماء الأعلام، ومع التوقف في موضع التوقف والنفوذ إلى الرأي السليم، ومع المعرفة الواسعة بالحديث ورجاله وتمييز صحيحه من زائفه”7.

والأمثلة عند الاقدمين كثيرة وعلى خطى مثل هؤلاء حاول بعض المعاصرين من العلماء كتابة سيرة صحيحة، وقد مرت إشارة إلى ذلك مما يغني عن إعادته هنا8، والمقصود التأكيد على أن من الباحثين في السيرة من حاول التثبت من أحداثها. غير أننا في هذا الفصل لن نفعل ذلك، وإنما سنحاول الكلام عن الأحاديث التي ذكرها السباعي رحمه الله في سيرته، سواء جاء ذكره لها باللفظ أم بالمعنى، من حيث صحتها أو ضعفها، ومن حيث ما أثاره بعضها من إشكالات تخص بعض جوانب العقيدة مثلا، خاصة مع الهجوم الرافضي الخبيث، بعد الهجوم الاستشراقي الحقود، على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأول شيء ينبغي التنويه به أن معظم ما ذكره السباعي رحمه الله في كتابه من الأحاديث صحيح، والضعيف فيه قليل، وبعض من ذلك الضعيف يمكن الاستعاضة عنه بأحاديث أخرى صحيحة.

وقد أورد السباعي رحمه الله بعض تلك الأحاديث بمعناها لا بلفظها، ومنها المرفوع وهو أكثرها، ثم

الموقوف وهو قليل أما مالم يثبت أنه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حديث واحد سيذكر في حينه وقبل إيراد تلك الأحاديث، أشير إلى أنها ستذكر مقرونة –إذا تطلب الأمر ذلك- ببعض ما يرتبط بها من معنى أو إشكال أو شبهة أو غير ذلك كما مر، وفيما يلي التوضيح:

أ- الحديث الصحيح في كتاب السباعي رحمه الله:

الحديث الأول:

قال السباعي رحمه الله: ” وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من نبيء إلا ورعى الغنم). قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: (وأنا). وفي رواية أخرى أنه قال: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم)، فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ فأجاب: (وأنا رعيتها لأهل مكة على قراريط)”9.

ذكر السباعي رحمه الله الحديث هكذا دون تخريج، وهو –أي الحديث- في صحيح البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم- قال: (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم). فقال أصحابه: وأنت؟ قال: (نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)10.

وعند ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَاعِيَ غَنَمٍ “، قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ” وَأَنَا كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ “، قَالَ سُوَيْدٌ: يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ11.

الحديث الثاني:

قال السباعي رحمه الله: “…كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)”12 وهذا طرف حديث ورد في صحيح البخاري عن ٍأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تجدون الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدَّهم له كراهية، وتجدون شر الناس: ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه”13.

وفي مسلم عن ٍأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” الناس معادن كمعادن الفضة والذهب. خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. والأرواح جنود مجندة. فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”14.

الحديث الثالث:

ذكر السباعي رحمه الله في كتابه ما يلي:

كان أول ما سأل عنه هرقل أبا سفيان بعد أن أرسل الرسول إلى هرقل كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام هو وقومه: كيف نسبه فيكم؟ فأجاب أبو سفيان وهو يومئذ على شركه: هو من أشرفنا نسبا”15.

هذا الكلام ورد في حديث طويل للبخاري رحمه الله عن عبد الله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب

أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجاراً بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإبلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً قال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه قال فو الله لولا الحياء من أن يأثروا عني كذباً لكذبت عنه ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟

قلت: هو فينا ذو نسب قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟

قلت:لا قال:فهل كان من آبائه من ملك؟

قلت:لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟

قلت: بل ضعفاؤهم قال: أيزيدون أم ينقصون؟

قلت: بل يزيدون قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟

قلت: لا قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قلت: لا قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال: فهل قاتلتموه؟

قلت: نعم ” قال فكيف كان قتالكم إياه؟

قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه قال: ماذا يأمركم؟

قلت: يقول: ” أعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة

والصدق والعفاف والصلة.

فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب

قومها وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا،فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه.
   وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله !
وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: بم يأمركم؟

فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشكروا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.
فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم،

فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه…16.

الحديث الرابع:

قال السباعي رحمه الله:

“…وما أبدع القول المأثور: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟)”17.

وفي هامش الصفحة قال: “جاء في البخاري 1/199 في العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟”18.

وبالفعل هو في ذلك الموضع معلقا، من قول علي رضي الله عنه، ثم ذكر سنده بعد ذلك مباشرة تحت رقم 127، ومعنى المعلق “ما حذف من مبتدإ إسناده واحد فأكثر ولو إلى آخر الإسناد”19.

وفي صحيح البخاري رحمه الله منه كثير، صنف فيه ابن حجر رحمه الله كتابه القيم: “تغليق التعليق”، حيث يقول عنه رحمه الله: “وقد بسطت ذلك جميعه في مصنف كبير سميته تغليق التعليق ذكرت فيه جميع أحاديثه المرفوعة وآثاره الموقوفة وذكرت من وصلها بأسانيدي إلى المكان المعلق فجاء كتابا حافلا وجامعا كاملا لم يفرده أحد بالتصنيف”20 وقد لخص ابن حجر رحمه الله مضمون ذلك الكتاب في مقدمته لفتح الباري في عدة صفحات، ومرتبا على كتب وأبواب صحيح البخاري.

الحديث الخامس:

حديث نزول الوحي الذي ذكره السباعي رحمه الله21 عن عائشة رضي الله عنها هو حديث طويل جدا في صحيح البخاري رحمه الله، وقد ورد في موضعين:

1- في كتاب بدء الوحي، باب بدون ترجمة، حديث 03.

2- في كتاب التفسير، باب بدون ترجمة، حديث 4953.

الحديث السادس:

قال السباعي رحمه الله:

“…وفي رواية ابن هشام عن ابن إسحاق…إلخ”22.

هذه الرواية ذكر بعضها في حديث للبخاري رحمه الله، وهو ما ذكره السباعي رحمه الله

نفسه في الفقرة الثالثة من نفس الصفحة، من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.

والحديث في الصحيح، في كتاب بدء الوحي، باب بدون ترجمة، حديث 04.

الحديث السابع:

قال السباعي رحمه الله:

“…قال الرسول صلى الله عليه وسلم لما مات أبوطالب:(رحمك الله وغفر لك، لاأزال أستغفر لك حتى ينهاني الله)، فاقتدى المسلمون برسولهم يستغفرون لموتاهم المشركين، حتى نزل قول الله تبارك وتعالى:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) (التوبة:114). فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لأبي طالب، كما امتنع المسلمون عن الاستغفار لموتاهم”23.

ما ذكره السباعي رحمه الله هو مضمون حديث أخرجه البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم –وعنده أبو جهل- فقال: أي عم، قل لا إله إلا الله كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه. فنزلت: (ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) (التوبة:114)، ونزلت: (إنك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: 56) 24 وبنفس اللفظ أخرجه مسلم في الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع…حديث 39.

ملحوظة:

هذا سبب من أسباب أخرى لنزول هذه الآية، وقد اقتصر عليه السباعي رحمه الله وحده.

وهناك أحاديث أخرى تذكر أسبابا أخرى لنزول هذه الآية، ومن ذلك:

1- أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال: ” خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل عليَّ: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)، وهو حديث ضعيف25.

2- وأخرج أحمد من حديث أبي بريدة عن أبيه نحوه، وفيه ( نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب ) ولم يذكر نزول الآية. وللحديث طرق أخرى “يعضد بعضها بعضاً، وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب…” كما قال ابن حجر رحمه الله26.

وقال أيضا:

“يحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب ومتأخر وهو أمر آمنة. ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره صلى الله عليه وسلم للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب”27.

3- قال ابن حجر رحمه الله:

“ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال: ( سمعت رجلاً يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ما كان للنبي… الآية )28.وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت… “29.

ويذكر السيوطي رحمه الله في الإتقان أنه “كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابا متعددة”30. ويوضح أحوال ذلك التعدد ومنهجية التعامل معه، ومن ذلك الحال السادس، وهو أن تتعدد أسباب النزول ولا يمكن التأكد من نزول الآية عقب تلك الأسباب، “فيحمل على تعدد النزول وعلى تكرره” 31. ويذكر الأحاديث السابقة، وهي أحاديث: البخاري في التفسير، والحاكم وابن أبي حاتم، ثم أحمد في الرجل الذي استغفر لوالديه وهما مشركان، ثم يقول:”…فيجمع بين هذه الأحاديث بتعدد النزول” 32.

ولا ينبغي أن ندع الفرصة تمر، دون أن نشير إلى حكاية “إسلام أبي طالب” في نظر الشيعة، وقد مر طرف من ذلك. لكننا نزيد الأمر توضيحا، خاصة مع الهجوم التبشيري الشيعي على العالم السني هذه الأيام.إن عمدتنا في القول بعدم إسلام أبي طالب مجموعة من الأحاديث الصحيحة، وقد سبق ذكر بعض

منها. غير أن بعض علماء الشيعة يحاولون جاهدين تضعيفها أو إظهار تناقض مزعوم فيما بينها.

وهو أمر مستغرب منهم، خاصة وأن كتبهم المعتبرة – مثل الكافي وغيره – تزخر بالآلاف من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومع ذلك يأخذون بها !33. بل إن تقسيم الحديث إلى صحيح وغيره لم يظهر لديهم إلا في زمن متأخر، “وكان أول من وضع هذا الاصطلاح عندهم هو العلامة الحلي (726هجرية)، ثم تبعه المتأخرون” 34.

أما حكاية إسلام أبي طالب، فإن الكثير من كتبهم تتفق مع رأي أهل السنة والجماعة في وفاة أبي طالب على الشرك، ومن ذلك ما جاء في “بحار الأنوار” للمجلسي من أقواله:

“روى كثير من المحدثين أن قوله تعالى:

(مَا كـَانَ لِلنَّبِىّ وَالَّذِينَ ءَامَنـُوا أَن يَسْـتَغْفِـرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلىِ قـُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبـَيـَّـنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـابُ الْجَحِيـم. وَمَـا كَانَ اسْتِغْـفَـارُ إِبْراَهِيم لأَبِـيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِـدَةٍ وَعَـدَهَا إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبـِيَّـنَ لَـهُ أَنَّـهُ عَـدُوٌّ لّلّهِ تـَبَرَّأَ مِنْهُ)، أنزلت في أبي طالب لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغـفر له بعـد مـوته” 35.

– “ورووا أن قوله تعالى:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) نزلت في أبي طالب” 36.

– ” ورووا أن علياً(ع) جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد موت أبي طالب فقال له: إن عمك الضال قد قضى فما الذي تأمرني فيه؟ واحتجوا به لم ينقل أحد عنه أنه رآه يصلي، والصلاة هي المفرقة بين المسلم والكافر، وأن علياً وجعفرا لم يأخذا من تركته شيئا” 37.
– “ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الله قد وعدني بتخفيف عذابه لما صنع في حقي، وإنه في ضحضاح من نار”38.

– “ورووا عنه أيضاً أنه قيل له: لو استغفرت لأبيك وأمك فقال: لو استغفرت لهما لاستغفرت لأبي طالب فإنه صنع إليّ ما لم يصنعا،و أن عبد الله وآمنة وأبا طالب في حجرة من حجرات جهنم”39.

وقد قدم المجلسي لما سبق بقوله: ” قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: اختلف الناس في إسلام أبي طالب فقال الإمامية والزيدية: ما مات إلا مسلماً، وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك منهم: الشيخ أبو القاسم البلخي وأبو جعفر الإسكافي وغيرهما، وقال أكثر الناس من أهل الحديث والعامة ومن شيوخنا البصريين وغيرهم: مات على دين قومه ويروون في ذلك حديثاً مشهوراً: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عند موته: قل يا عم كلمة أشهد لك بها غداً عند الله تعالى، فقال: لولا أن تقول العرب أن أبا طالب جزع عند الموت لأقررت بها عينك، وروي إنه قال: أنا على دين الأشياخ ! وقيل: إنه قال: أنا على دين عبد المطلب وقيل غير ذلك “40.

الحديث الثامن:

ذكر السباعي رحمه الله حديث غيرة عائشة من خديجة رضي الله عنهما، فقال: “روى البخاري عنها رضي الله عنها أنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكْثِر ذِكْرَها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق – صديقات – خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد41.هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، ولفظ البخاري في مناقب الأنصار، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها، حديث 3818. أما لفظ مسلم فهو في فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، حديث 74.

الحديث التاسع:

قال السباعي رحمه الله، وهو يتكلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وهما في طريقهما في الهجرة: “خرجا من الغار مع دليلهما، وأخذا طريق السواحل –ساحل البحر الأحمر- وقطعا مسافة بعيدة أدركهما من بعدها سراقة، فلما اقترب منهما، ساخت قوائم فرسه في الرمل فلم تقدر على السير، وحاول ثلاث مرات أن يحملهما على السير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم فتأبى، عندئذ أيقن أنه أمام رسول كريم…”42. وهذا مضمون حديث أخرجه:

1- البخاري رحمه الله قال: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ ـ وَهْوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ـ أَنَّ أَبَاهُ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ، يَقُولُ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ ـ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ‏.‏ قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلاَنًا وَفُلاَنًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا‏.‏ ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهْىَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَىَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرَّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلاَمَ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لا،َ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلاَمَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ لاَ يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الاِلْتِفَاتَ، سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلاَمِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ‏.‏ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي وَلَمْ يَسْأَلاَنِي إِلاَّ أَنْ قَالَ أَخْفِ عَنَّا‏.‏ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم43.

2- مسلم عن البراء قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فأتبعه سراقة بن مالك بن جعشم‏.‏ قال: فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فساخت فرسه‏.‏ فقال‏:‏ ادع الله لي ولا أضرك‏.‏ قال فدعا الله‏.‏ قال: فعطش رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فمروا براعي غنم‏.‏ قال أبو بكر الصديق‏:‏ فأخذت قدحا فحلبت فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كثبة من لبن‏.‏ فأتيته به فشرب حتى رضيت 44‏.

الحديث العاشر:

ذكر السباعي رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب منه سراقة بن مالك، لما أيقن أنه أمام رسول كريم، “أن يعده إن نصره، فوعده بسواري كسرى يلبسهما، ثم عاد سراقة إلى مكة “45، ثم قال السباعي رحمه الله بعد ذلك:” وفي وعد الرسول صلى الله عليه وسلم لسراقة بسواري كسرى معجزة أخرى، فالإنسان الذي يبدو هاربا من وجه قومه لا يؤمل في فتح فارس والاستيلاء على كنوز كسرى، إلا أن يكون نبيا مرسلا. ولقد تحقق وعد الرسول صلى الله عليه وسلم له، وطالب سراقة عمر بن الخطاب بإنفاذ وعد الرسول صلى الله عليه وسلم له حين رأى سواري كسرى في الغنائم، فألبسهما عمر سراقة على ملإ من الصحابة وقال: الحمد لله الذي سلب كسرى سواريه، وألبسهما سراقة بن جعشم الأعرابي”46.

لكن الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله علق، في “الروض الأنف”، على القصة بما يلي:

“…وقصة سراقة في البخاري، ولكن ليس في روايته مسألة السوارين، وإنما فيها أنه قال بعد أن حدث لفرسه ما حدث والتقى برسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أن قال: اخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب في رقعة من أديم”47.

والحديث المذكور موجود في الصحيح، وقد مر ذكره قريبا من حديث الزهري عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ.غير أن المؤرخين ذكروا صنيع عمر رضي الله عنه مع سراقة، وممن ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله في “البداية والنهاية”، إذ قال:”…وقد روى أبو داود، عن محمد بن عبيد، عن حماد، عن يونس، عن الحسن‏:‏ أن عمر بن الخطاب، ورُوِينا من طريق أخرى، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما جيء بفروة كسرى وسيفه ومنطقته وتاجه وسواريه، ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم، وقال‏:‏ قل‏:‏ الحمد لله الذي ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابي من البادية‏.‏

قال الشافعي‏:‏ وإنما ألبسه ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسراقة‏، ‏ونظر إلى ذراعيه: ” كأني بك قد لبست سواري كسرى‏” 48.

وقد أخرجه من المحدثين البيهقي رحمه الله في “دلائل النبوة” 49.

الحديث الحادي عشر:

دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: “اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض”50 هذا الدعاء موجود في صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، حديث 58، وهو من رواية عمر رضي الله عنه، في حديث طويل فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهتف: ” اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض”.

الحديث الثاني عشر:

حديث ترغيب المسلمين في الشهادة في غزوة بدر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول لهم: “والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة”51.

هذا الحديث في صحيح مسلم لكن بلفظ آخر، وذلك عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة،أنه سمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،أنه قام فيهم فذكر لهم ‏(‏أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال‏)‏ فقام رجل فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏نعم‏.‏ إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر‏)‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏كيف قلت‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏نعم‏.‏ وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر‏.‏ إلا الدين‏.‏ فإن جبريل عليه السلام، قال لي ذلك‏)52‏‏.‏

وبنحوه أخرجه:

– مالك في الموطإ، كتاب الجهاد، باب الشهداء في سبيل الله، حديث 31.

– أحمد في 2/308-330 و3/352 و5/297- 304 – 308.

– الترمذي في الجهاد، باب ما جاء فيمن يستشهد وعليه دين، حديث 1712، وقال: “حسن صحيح”. وذكر للألباني أيضا أنه صحيح.

– النسائي في الجهاد، باب من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين، حديث 3155. وذكر الألباني رحمه الله عقبه أنه حسن صحيح.

الحديث الثالث عشر:

قوله صلى الله عليه وسلم للرماة: ” احموا ظهورنا لا يأتونا من خلفنا، وارشقوهم بالنبل، فإن الخيل لا تقوم على النبل، إنا لانزال غالبين ما ثبتم في مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم”. وقال لهم في رواية أخرى: “إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم أو ظاهرناهم وهم قتلى، فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم”53.

هذا الحديث أخرجه البخاري بنحوه، وفيه قول البراء: ” لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة، وأمّر عليهم عبد الله وقال: لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا”54.

وأخرج أحمد عن البراء بن عازب في حديث طويل أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: ” إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم” 55 وأخرج أيضا عن ابن عباس في حديث طويل أنه صلى الله عليه وسلم قال للرماة: ” احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا، فلا تشركونا”56.

الحديث الرابع عشر:

قال السباعي رحمه الله:”وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار فقال: وضعت السلاح، والله ما وضعته، اخرج إليهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة..”57.

وفي صحيح البخاري: عن عائشة – رَضيَ اللهُ عَنْها – قالت: فلما رجع رسول الله – صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ – من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل – عليه السلام – وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعته، اخرج إليهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأين؟) قال: فأشار إلى بني قريظة…”58.

الحديث الخامس عشر:

حديث ذُكِر بالمعنى، إذ قال السباعي رحمه الله: “أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من ينادي في

الناس بأن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة”59. هذا الحديث في صحيح البخاري عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي  لنا لما رجع من الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذكر للنبي  فلم يعنف واحدا منهم60.

الحديث السادس عشر:

حديث: لما أشرف النبي صلى الله عليه وسلم ” على خيبر قال لأصحابه: قفوا، ثم عاد فقال: اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا باسم الله”61، هذا الحديث مذكور في مستدرك الحاكم (1/446) في المناسك، باب: الدعاء عند رؤية قرية يريد دخولها، وقال: “صحيح الإسناد ولم يخرجاه”، ووافقه الذهبي في الذيل.

الحديث السابع عشر:

قال السباعي رحمه الله وهو يتكلم عما حدث في غزوة حنين: “وفر أهل مكة والمسلمون الجدد، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتا على بغلته يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب”62.

وقد أخرج البخاري رحمه الله عَنِ الْبَرَاءِ ـ رضى الله عنه ـ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ لاَ، وَاللَّهِ مَا وَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ، فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ بِالنَّبْلِ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ‏”‏ أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ‏”‏63.

الحديث الثامن عشر:

قال السباعي رحمه الله: “أُثِر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب قوله لعروة بن مسعود: الحرب خدعة”64. هذا الحديث أخرجه البخاري عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ـ رضى الله عنهما ـ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ‏”‏ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ‏”65‏‏.‏

وقال ابن حجر رحمه الله: ” (تكميل): ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏”‏ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ‏” في غزوة الخندق “66‏‏.‏

وتصدير حديث في صحيح البخاري رحمه الله بكلمة “أُثِرَ” –بصيغة التمريض- غير دقيق. قال ابن الصلاح رحمه الله: “إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل فيه‏:‏ قال رسول الله  كذا وكذا، وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه  قال ذلك‏.‏ وإنما تقول فيه‏:‏ روي عن رسول الله  كذا وكذا، أو‏:‏ بلغنا عنه كذا وكذا، أو ورد عنه، أو‏:‏ جاء عنه، أو‏:‏ روى بعضهم، وما أشبه ذلك‏.‏ وهكذا الحكم فيما تشك في صحته وضعفه، وإنما تقول‏:‏ ‏‏قال رسول الله  ‏‏ فيما ظهر لك صحته”67.

الحديث التاسع عشر:

استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية عدة أدرع، فقال له صفوان: “أغصبا يا محمد؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك”68.

هذا الحديث أخرجه أبوداود عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعا يوم حنين فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: “لا بل عارية مضمونة”]69.

وقد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله عدة طرق لهذا الحديث، وصححه بمجموعها، فقال: “وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق الثلاث…”70.

الحديث العشرون:

قال السباعي رحمه الله: ” وفي قول بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في طريقهم إلى المعركة: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وفي جواب الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون)، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم “71.

هذا الحديث أخرجه الترمذي عن أبي واقد الليثي أن رسول الله  لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي:  سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى أجعل لنا إلها كما لهم آلهة. والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم 72.

الحديث الواحد والعشرون:

قال السباعي رحمه الله: “…وفي هذه المعركة –أي حنين- مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس متقصفون (مزدحمون) عليها فقال: ماهذا؟ قالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا “73.

وفي الباب:أخرج البخاري عن نافع: أن عبد الله رضي الله عنه أخبره:
أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان 74.
وأخرج أيضا عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
وُجِدَتِ امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان 75.

وأخرج أبوداود عن رباح بن الربيع – رضى الله عنه – قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلاً فقال: أنظر علام اجتمع هؤلاء؟ فقال: على امرأة قتيل. فقال: ما كانت هذه لتقاتل. قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد قال: فبعث رجلاً فقال: قل لخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفاً 76.

وعند ابن ماجة عن حنظلة الكاتب، قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناسُ، فأفرجوا له، فقال:” ما كانت هذه تُقاتِلُ فيمن يُقاتِلُ “، ثم قال لرجل:” انطلق إلى خالدِ بن الوليد، فقل له: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يأمرُك، يقول: لا تقتلَ ذُرِّيَّةً ولا عَسِيفاً 77.

الحديث الثاني والعشرون:

قال السباعي رحمه الله: “…ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت الحرام يوم فتح مكة، رأى صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ! ما شأن إبراهيم والأزلام؟ (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين)، ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست “78.

هذا الحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قاتلهم الله، لقد علموا: ما استقسما بها قط). ثم دخل البيت، فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل فيه 79.

وأخرج أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بأيديهما الأزلام فقال قاتلهم الله والله إن استقسما بالأزلام قط80 .

الحديث الثالث والعشرون:

قال السباعي رحمه الله: “…قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها، وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء:81)، فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع”81 ورد هذا الحديث في صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ـ رضى الله عنه ـ قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلاَثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ ‏”‏ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ، وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ‏”82.

قال ابن حجر في الفتح: “وفي حديث ابن عمر عند الفاكهي وصححه ابن حبان ‏”‏ فيسقط الصنم ولا يمسه‏”‏، وللفاكهي والطبراني من حديث ابن عباس ‏”‏ فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه، مع أنها كانت ثابتة بالأرض، وقد شـد لهم إبليس أقدامها بالرصاص ‏”‏83.

وفي مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ين مسعود، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: ‏(‏ ‏جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا‏)‏، (جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ‏)84.

ب- الحديث الضعيف في كتاب السباعي رحمه الله

الحديث الأول:

ذكر السباعي رحمه الله حديثا للترمذي سيأتي، وعلق عليه في الهامش بأنه ” رواه الترمذي بسند صحيح”85. إلا أن الحديث عند الترمذي ضعيف، كما قال الألباني رحمه الله. وهو –في سنن الترمذي- مخرج بذكر سبب وروده، ولفظه:”عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مَثَلَك كمثل نخلة في كبوة من الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير فِرَقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا”86.

وقد قال الألباني عقبه: ضعيف. ومن سند الحديث: “عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن العباس…”، قال الألباني في “السلسلة الضعيفة” (الضعيفة 3073): ” يزيد بن أبي زياد، وهو الهاشمي مولاهم، قال الحافظ: (ضعيف، كبر فتغير، صار يتلقن) 87.

وأخرجه أيضا الحاكم88 وسكت عنه، كما سكت عنه الذهبي رحمه الله في الذيل.

فسند الحديث إذن في الترمذي ضعيف لضعف يزيد، وليس صحيحا كما ذكر السباعي رحمه الله.

لكن في الباب:أخرج مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم” 89.ولعله من الأولى ذكر هذه الرواية لصحتها.

الحديث الثاني:

دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي…”90.

هذا الدعاء ذكره الهيثمي في “مجمع الزوائد” وقال:” رواه الطبراني وفيه ابن إسحاق،

وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات”91.

لكن د. العمري قال: ” وأما دعاؤه على ثقيف بقوله (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي…إلخ) ولقاؤه بعداس فلم يثبت من طريق صحيح” 92.وقال في الهامش أيضا: ” أخرجه ابن إسحاق بسند صحيح، لكنه مرسل محمد بن كعب القرظي، والمرسل من أنواع الضعيف لا يحتج به إلا مع قرائن. والحديث (اللهم إليك أشكو) ساقه بدون إسناد، وكذلك قصة عداس ساقها بدون إسناد” 93.

الحديث الثالث:

قال السباعي رحمه الله عن الهجرة: “وصل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، وبعد أن طال انتظار أصحابه له، يخرجون كل صباح إلى مشارف المدينة، فلا يرجعون إلا حين تحمى الشمس وقت الظهيرة. فلما رأوه فرحوا به فرحا عظيما، وأخذت الولائد ينشدون بالدفوف:

طلع البدر علينــــــــــا من ثنيات الـــــوداع

وجب الشكر علينــــــا مـا دعــا للـــــه داع

أيها المبعوث فينـــــــا جئت بالأمر المطاع”94.

هذا الذي ذكره السباعي رحمه الله، مثلما ذكره مجموعة من الأفاضل، هو مما اشتهر على ألسنة الناس حتى أصبح من المسلمات. غير أنه عند التحقيق نجد أنه مضمون حديث لا يصح، كما ذكر ذلك المحققون من العلماء.

وللتوضيح يمكن القول أن كلام السباعي رحمه الله يشير إلى ما رواه البيهقي رحمه الله في “الدلائل” قال: أنبأنا أبو عمرو الأديب قال: أخبرنا أبوبكر الإسماعيلي قال: سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم عليه السلام المدينة جعل الناس والصبيان يقلن:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع 95.

وابن عائشة هو عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التميمي، أبو عبد الرحمن البصري، المعروف بالعيشي والعائشي وبابن عائشة. وسمي بابن عائشة لأنه من ذرية عائشة بنت طلحة. وهو ليس صحابيا ولا تابعيا، بل أخذ ممن أخذ عن التابعين. فالحديث إذن معضل، أي سقط منه على الأقل ثلاثة من الرواة: الصحابي والتابعي وتابعه. وإلى ذلك أشار ابن حجر رحمه الله في “الفتح” فقال: “وهو سند معضل، ولعل ذلك –أي النشيد- كان في قدومه من غزوة تبوك”96.

أما حال ابن عائشة، فهو على العموم “ثقة” كما ذكر ابن حجر في التقريب 97، وهو من كبار الطبقة العاشرة، فهو لم يلق التابعين. ومعنى ذلك أن بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاوز.

فالحديث ساقط سندا كما هو واضح. وقد ضعفه الألباني رحمه الله98. وقال العمري: ” أما تلك الروايات التي تفيد استقباله بنشيد (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع) فلم ترد بها رواية صحيحة”99.

وللحديث رواية أخرى أخرجها الحاكم من طريق إسحق بن أبي طلحة عن أنس: “…فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن:

نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار100

وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله زيادة في هذا الحديث فقال: “وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة خرجت بنات النجار بالدفوف وهن يقلن:

(طلع البدر علينا من ثنيات الوداع) إلى آخر الشعر، فقال لهن النبي صلى الله عليه وسلم: (هزوا غرابيلكم بارك الله فيكم) هذا لايُعْرَف عنه”101.

وقد أورد صاحب المقال القيم: “دراسة في حديث (طلع البدر علينا)…” روايات عدة للحديث وبين ضعفها، فليرجع إلى المقال من شاء الاطلاع على تلك الروايات 102.

وقد ناقش العلماء متن الحديث، وتناولوا ما يلي:

” 1- في النشيد رقة وليونة لا تناسب أساليب القول في الزمن المنسوب النشيد إليه، وربما يكون من أشعار القرن الثالث الهجري.

2- جاء النشيد على وزن بحر (الرمل)، وكان يغلب على الأناشيد المرتجلة (الرجز).

3- مما يروى من أبيات النشيد:

جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع

كيف يقول أهل المدينة (شرفت المدينة)، وإنما سميت المدينة بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، واسمها المعروف لديهم (يثرب)…”103.

أما تسمية “ثنية الوداع”، فقد رأى مجموعة من العلماء أنها حادثة بعد استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة بسنوات، وفي ذلك قال القسطلاني رحمه الله: “وسميت ثنية الوداع لأنه عليه السلام ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره. وقيل: لأنه عليه السلام شيع إليها بعض سراياه، فودعه عندها”104. وذكر الشارح (الزرقاني) أن السفر المقصود هي غزوة تبوك، وأن السرية هي سرية مؤتة. ثم قال الزرقاني: “وهذان يعطيان أن التسمية حادثة”105.

بالإضافة إلى ذلك ذكر العلماء أن “ثنية الوداع” ليست من جهة مكة حيث قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في الهجرة. بل هي جهة الشام. قال ابن القيم رحمه الله عمن قال إن ثنية الوداع جهة مكة: “…وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة وهو وهم ظاهر، لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام”106.

والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري رحمه الله عن السائب بن يزيد قال: “أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدَمَه من غزوة تبوك”107.

ثم إن الصحيح يذكر أن المستقبلين للرسول صلى الله عليه وسلم رددوا كلاما آخر، وليس ما جاء في النشيد. فعن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانوا يقرئون الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر. ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول صلى الله عليه وسلم. فما قدم حتى قرأت (سبح اسم ربك الاعلى) في سور من المفصل108.

و”في رواية عبد الله بن رجاء: فخرج الناس حين قدم المدينة في الطرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم: جاء محمد رسول الله، الله أكبر، جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم”109.

والخلاصة: “أن هذا النشيد لا يصح من جهتين: الإسناد والمتن…، ولم أجد أو أظفر بعالم من علماء السنة أهل الحديث المختصين بعلم الحديث الذي يعتمد عليهم ويوثق بعلمهم، وهم أهل الجرح والتعديل

السابقين والمعاصرين، من صحح هذا النشيد، وأثبت بأن النساء والولائد قلن ذلك عند دخول سيد البشر إلى المدينة. وهذا النشيد لم تروه الكتب الستة والعشرة والأربعين !!”110.

الحديث الرابع:

ذكر السباعي رحمه الله حديث “الحكمة ضالة المؤمن يتلمسها أنى وجدها”111، وقال معلقا في

الهامش: “انظر (كشف الخفا) للعجلوني في روايات هذا الحديث)”112.

والحديث أخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها”113. وقد ذكر الترمذي عن أحد رجال السند قوله، بعد الحديث: “إبراهيم بن الفضل المخزومي يُضَعف في الحديث من قبل حفظه”.

وقال الألباني عن الحديث: “ضعيف جدا”. وهو نفس ما قاله عن رواية ابن ماجة 114.

أما عن إبراهيم بن الفضل المخزومي المذكور، فقد قال الألباني أنه “متروك كما في التقريب”115.

الحديث الخامس:

قال السباعي رحمه الله عن غزوة خيبر:”…ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى كثرة من معه: لن نغلب اليوم من قلة”116.

ثم أتبع الحديث بتعليق في الهامش كما يلي:

” لم يثبت هذا من قوله صلى الله عليه وسلم، فقد رواه ابن إسحاق في المغازي، وفي سنده انقطاع وجهالة. وقيل: القائل ذلك سلمة بن سلامة بن وقش. وقيل: أبو بكر الصديق. وقيل: العباس. وقيل: رجل من بني بكر”117.

وفي مسند أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يُغْلَب إثنا عشر ألفا من قلة118.

وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا قال::قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف. قال: و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لن يُغْلَب قوم عن قلة، يبلغون أن يكونوا اثني عشر ألفا “119.

والحديث أخرجه أيضا الترمذي 120 عن ابن عباس رضي الله عنهما بنفس لفظ أحمد الأول، ثم قال: “هذا حديث حسن غريب لايسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما رُوِي هذا الحديث عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا…”. وقد ذكر الألباني رحمه الله أن الحديث ضعيف.

كما أخرجه أبوداود 121 رحمه الله بنفس اللفظ، ثم قال عقبه: “والصحيح أنه مرسل”، لكن الألباني رحمه الله ذكر أنه “صحيح”.غير أن هذه الأحاديث وردت، كما هو واضح، في موضوع آخر غير الموضوع المذكور في أثر: “لن نغلب اليوم من قلة”.

الحديث السادس:

قال السباعي رحمه الله عن “العزى” –صنم لقريش- ما يلي: “…وقد زعموا أنها كانت حبشية، نافشة شعرها، واضعة يدها على عاتقها في داخل شجرة كان قد قطعها خالد، فبرزت له بهذا الشكل، فضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة، فلما أَخبَر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأداء مهمته، قال عليه الصلاة والسلام: تلك العزى ولاعزى بعدها للعرب، أما إنها لن تعبد بعد اليوم”122.

وقد أورد الإمام البغوي رحمه الله في تفسيره “معالم التنزيل” رواية مضمونها شبيه لما ذكره السباعي رحمه الله، فقال:” يقال إن خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قلعت. فعاودها فعاد إليها ومعه المعول، فقلعها واجتث أصلها، فخرجت منها امرأة عريانة. فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال: تلك العزى ولن تعبد أبدا”123.

وقد علق المحقق في الهامش: “عزاه صاحب الفتح السماوي لابن مردويه”124.

وفي “الفتح السماوي”: “قوله (أي القاضي البيضاوي): والعزى سمرة لغطفان كانوا يعبدونها، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها”، ثم قال صاحب ” الفتح”، المناوي رحمه الله: “أخرجه ابن مردويه من حديث ابن عباس” 125.

وقد علق محقق “الفتح السماوي” على كلام المناوي قائلا: “عزاه له (أي لابن مردويه) الزيلعي، وساق سنده، فهو من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه، وكلاهما ضعيفان، بل الكلبي متهم…”126.

ثم ذكر المناوي رحمه الله رواية أخرجها النسائي، وهي: أخبرنا علي بن المنذر قال: حدثنا ابن فُضَيل قال: حدثنا الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُفَيْل قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد، وكانت على ثلاث سمُرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: “ارجع فإنك لم تصنع شيئا”، فرجع خالد، فلما أبصرت به السدنة، وهم حجبتها، أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى. فأتاها خالد، فإذا هي امرأة عريانة ناشرة شعرها تَحْتَفِنُ التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: “تلك العزى”127. وقد علق محقق “الفتح” عليه بقوله: “إسناده حسن”128.

ج- حديث يحتاج إلى وقفة:

في الفقرة الثالثة من كتابه، يشير السباعي رحمه الله إلى فترة الوحي وحزن الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك “حتى كاد يخرج إلى الجبال فيهم بأن يتردى من رؤوسها”129. ثم علق في الهامش قائلا:

” هذه الجملة: (كاد يتردى من رؤوس الجبال حزنا بعد فتور الوحي)، وإن كانت في صحيح البخاري، هي من بلاغات الزهري، وليست موصولة”130.

وبالفعل فإن هذه الجملة مذكورة في صحيح البخاري 131، في حديث طويل من حديث الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، وفيه: “…وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم –فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه

تبدى له جبريل…”.

وقد علق ابن حجر على هذا الكلام في الفتح بقوله:

” إن القائل (فيما بلغنا) هو الزهري. ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري، وليس موصولا”132. وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر.أما معنى البلاغات فكقول مالك رحمه الله مثلا: “بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا…”، وهو كثير في الموطإ.فما مرتبة بلاغات الزهري رحمه الله عند علماء الحديث؟

إن الزهري رحمه الله حينما يقول: “بلغني أو بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا أو فعل كذا…”، فهو يسقط راويا على الأقل، أي أن بلاغاته رحمه الله هي في منزلة المراسيل، وحكم مرسل الزهري رحمه الله أنه غير مقبول.لكن ما الحاجة إلى ذكر كل هذا هنا؟

السبب بسيط، وهو أن البعض –خاصة من الشيعة والمتشيعين- اتخذ من هذا البلاغ تكأة يستند عليها للتشكيك في صحيح البخاري رحمه الله، واعتبروا أن فيه انتقاصا من مقام الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كيف يعقل أن يهم المعصوم عليه الصلاة والسلام بالانتحار؟

وعلى الرغم من أن هذه الشبهة تحيل على واقعة –إن ثبتت- كانت قبل نزول التشريع وتحريم الانتحار، إلا أن علماء الأمة سلكوا في الرد عليها مسلكين:

الأول: البحث في سند الحديث الذي يذكرها.

والثاني: مناقشة الشبهة في ذاتها.

أ- البحث في سند الحديث:

وردت العبارة المذكورة بصيغ مختلفة في ثلاثة أحاديث:

1- أخرج ابن سعد في الطبقات قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى، عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل عليه السلام، فحزن حزنا شديدا حتى كاد يغدو إلى تبير مرة وإلى حراء مرة، يريد أن يلقي نفسه منه. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك عامدا لبعض تلك الجبال، إلى أن سمع صوتا من السماء، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم صعقا للصوت، ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعا عليه، يقول: “يا محمد، أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل”133.

هذا الحديث مروي عن محمد بن عمر، وهو الواقدي، وقد وثقه البعض وجرحه البعض الآخر.

فممن وثقه :

– الدراوردي قال:” الواقدي أمير المؤمنين في الحديث “134.

– وقال مجاهد بن موسى:”ما كتبت عن أحد أحفظ من الواقدي “135.

– قال جابر بن كردي: سمعت يزيد بن هارون يقول:”الواقدي ثقة”136.

لكن غير هؤلاء من أساطين الجرح والتعديل أمثال: أحمد وابن المديني والبخاري ويحيى بن معين…ضعفوا الواقدي. ومن أمثلة أقوالهم في ذلك:

– قول البخاري رحمه الله عنه في ” الضعفاء”: “متروك الحديث”137. وقال عنه أيضا: “سكتوا عنه، ما عندي له حرف”138.

– وقال ابن أبي حاتم: “نا عبد الرحمن قال: سألت أبا زرعة عن محمد بن عمر الواقدي فقال: ضعيف. قلت: يُكتَب حديثه؟ قال: ما يعجبني إلا على الاعتبار، ترك الناس حديثه”139.

– وقال عنه يحيى بن معين: “الواقدي ليس بشيء”140. وقال: “أَغْرَب الواقدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين ألف حديث “141.

بل من علماء الجرح والتعديل من اتهمه بالكذب والوضع، فمثلا:

– قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: “كتب الواقدي كذب “142.

– وقال الدولابي: حدثنا معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: “الواقدي كذاب”143.

– وقال إسحق بن راهويه: “هو عندي ممن يضع الحديث”144.

وللإمام الذهبي رحمه الله كلمة فصل بين من وثقه وبين من جرحه، إذ قال رحمه الله:

” وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج. أما في الفرائض فلا ينبغي أن يُذكَر. فهذه الكتب الستة ومسند أحمد وعامة من جمع في الأحكام، نراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء، بل ومتروكين، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئا، مع أن وزنه عندي أنه مع ضعفه يُكتَب حديثه ويُروى، لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه، كيزيد وأبي عبيد والصاغاني والحربي ومعن… وتمام عشرة محدثين. إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة وأن حديثه في عداد الواهي، رحمه الله “145.وعلى ذلك، فإن حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والذي رواه ابن سعد في الطبقات، هو حديث مردود، قال الألباني رحمه الله عن سنده:”وهذا سند واه جدا، محمد بن عمر هو الواقدي، وهو متهم بالكذب على علم بالمغازي والسير”146.

2- روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير، قال: “سمعت عبدالله بن الزبير، وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي، حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام…” فذكر الحديث إلى قوله: “…حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج، فيه كتاب، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ماذا أقرأ؟ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي، قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) إلى قوله: (علم الانسان ما لم يعلم) (العلق: 1-5)، قال: فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرف عني وهببت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتابا. قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت: إن الأبعد –يعني نفسه- لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبدا! لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن قال: فخرجت أريد ذلك، حتى إذا كنت في وسط من الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل…”147.

هذا الحديث يقدح في سنده:

* الإرسال، إذ عبيد بن عمير من كبار التابعين وليس صحابيا.

* سلمة بن فضل الأبرش متكلم فيه، وكذلك ابن حميد الرازي. فقد قال ابن حجر رحمه الله، عن سلمة بن الفضل الأبرش: “صدوق كثير الخطأ”148. وقال البخاري رحمه الله عنه: “عنده مناكير”149. وقال أبو حاتم: “محله الصدق، في حديثه إنكار، يكتب حديثه ولا يحتج به “150 وقال النسائي: ” ضعيف”151.

* وابن حميد هو محمد بن حميد بن حيان التميمي، أبوعبدالله الرازي:قال البخاري:”فيه نظر”152.

وقال يعقوب بن شيبة:” كثير المناكير”153 وقال ابن عدي في “الكامل”: سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: محمد بن حميد الرازي كان رديء المذهب غير ثقة”154.

وقال الذهبي: ” وثقه جماعة، والأولى تركه”155.

وعلى ذلك فالحديث مردود سندا أما من حيث المتن، فقد ذكر بعض العلماء أنه يخالف النصوص الأخرى، حيث تثبت تلك النصوص أن رؤية جبريل عليه السلام كانت حقيقية، في حين جعلها هذا الحديث رؤيا في المنام.لذلك ففي الحديث نكارة ظاهرة.

3- أخرج البخاري رحمه الله حديث الباب في مواضع كثيرة من صحيحه، لكنه لم يذكر إلا أطرافا منه، على عادته رحمه الله في تقطيع الحديث لأغراض معلومة، سوى ثلاثة مواضع ذكره فيها تاما، وهي :

* لنبدأ بالحديث الذي ذكر العبارة المتضمنة للشبهة، وهو ما أخرجه البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب،‏.‏ وحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ‏.‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏:فقلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني‏.‏ فقال: اقرأ‏.‏ فقلت ما أنا بقارئ‏.‏ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ‏.‏ فقلت: ما أنا بقارئ‏.‏ فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق… ‏) حتى بلغ ‏(…ما لم يعلم‏)، فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة فقال: ‏”‏ زملوني زملوني ‏”‏‏.‏ فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال ‏”‏ يا خديجة ما لي؟ ‏”‏‏.‏ وأخبرها الخبر، وقال: ‏”‏ قد خشيت على نفسي ‏”‏‏.‏ فقالت له: كلا أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق‏ ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى ـ وهو ابن عم خديجة أخو أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي ـ فقالت له خديجة أي ابن عم اسمع من ابن أخيك‏.‏ فقال ورقة: ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا أكون حيا، حين يخرجك قومك‏! فقال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: ‏”‏ أومخرجي هم؟ ‏”‏‏.‏ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا‏.‏ ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحى فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقي منه نفسه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا‏.‏

فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك‏ قال ابن عباس : (فالق الإصباح‏)‏ ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل 156.هذا هو الحديث الوحيد الذي ذكر بلاغ الزهري رحمه الله.

* الحديث الثاني أخرجه البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير قال‏:‏ حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة -أم المؤمنين -أنها قالت‏:‏ أول ما بدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم -من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح‏…” إلى قوله: ” ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي‏”157.

هذا الحديث لم يذكر مطلقا بلاغ الزهري رحمه الله.

* الحديث الثالث، وهو كذلك لم يذكر بلاغ الزهري، هو ما أخرجه البخاري قال: حدثنا يحيى، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن مروان، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، أخبرنا أبو صالح سلمويه قال حدثني عبد الله، عن يونس بن يزيد، قال أخبرني ابن شهاب، أن عروة بن الزبير، أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح…”إلى قوله: “…ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحى، فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏”158.

إن حاصل الأسانيد ثلاثة:

– يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري.

– عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.

– سعيد بن مروان، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن أبي صالح سلمويه عن عبد الله، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري.لكن البخاري رحمه الله أخرج الحديث مرة من طريق الليث عن عقيل وحده في بدء الوحي، ومرة من هذا الطريق وقرن به طريق عبد الرزاق عن معمر –في التعبير- بلفظ يخالف لفظ طريق الليث عن عقيل فدل ذلك أن الرواية المذكورة في التعبير هي لفظ معمر عن الزهري كذلك قرن البخاري رحمه الله بين طريق الليث عن عقيل وطريق عبد الله، عن يونس بن يزيد، بلفظ يخالف لفظ طريق الليث. فدل ذلك على أن هذا اللفظ هو لفظ يونس عن ابن شهاب. قال ابن حجر رحمه الله: “…وقد ساقه –أي البخاري- في المواضع الثلاثة عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري، ولكنه ساقه على لفظه في أول الكتاب، وقرنه في التفسير بيونس بن يزيد وساقه على لفظه، ثم قرنه هنا –يقصد في التعبير- بمعمر وساقه على لفظه”159.

فالزيادة المذكورة إذن في (التعبير) هي خاصة بمعمر لكن لماذا يقرن البخاري رحمه الله بين سندين متناهما ليسا واحدا من حيث اللفظ؟ يجيب ابن حجر رحمه الله –في مكان آخر- عند شرحه لحديث للبخاري قال فيه: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن عُلَيَّة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. ح.

وحدثنا آدم قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين”160، أقول: يجيب ابن حجر رحمه الله فيقول:

“فإن قيل: فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قتادة، وصنيع البخاري يوهم اتحادهما في المعنى وليس كذلك، فالجواب: أن البخاري يصنع مثل هذا نظرا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه…”161.

ويلخص ابن حجر أيضا ما سبق تلخيصا جيدا فيقول: “…وقوله هنا –يقصد في التعبير-: (فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا)، هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس وصنيع المؤلف يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه فساق الحديث إلى قوله (وفتر الوحي)، ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عنه البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري فقال: (وفتر الوحي فترة حتى حزن) فساقه إلى آخره.

والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر، فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي، عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها، وأخرجه مقرونا هنا برواية معمر، وبين أن اللفظ لمعمر، وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها.

ثم إن القائل (فيما بلغنا) هو الزهري. ومعنى الكلام ان في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري، وليس موصولا.

وقال الكرماني: هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله (فيما بلغنا) ولفظه (فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم منها حزنا غدا منه) إلى آخره، فصار كله مدرجا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة، والأول هو المعتمد”162.

والنتيجة: أن الخبر حول محاولة الرسول صلى الله عليه وسلم إلقاء نفسه من أعلى جبل هو بلاغ للإمام الزهري رحمه الله. وقد مر أن مرسل وبلاغ الزهري غير مقبولين.

ب- مناقشة الشبهة في ذاتها:

يذكر بلاغ الزهري أن الرسول صلى الله عليه وسلم حزن، بعد أن فتر عنه الوحي مدة، “حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال”.

غير أن هناك من الأحاديث ما يبين حالة أخرى كانت أشد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه ومن ذلك ما أخرجه البخاري رحمه الله عن عروة أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم، على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا 163.

ففي هذا الحديث يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ما لقيه عليه السلام من أهل الطائف لما صدوه وأغروا به سفهاءهم كان أشد عليه مما حدث للمسلمين في غزوة أحد، حيث شج وجهه عليه السلام وكسرت رباعيته، بل شاع أنه صلى الله عليه وسلم قُتِل، مما أورث المسلمين الغم والحزن.

قال تعالى: (فأثابكم غما بغم) (آل عمران: 153). “قال مجاهد وقتادة وغيرهما: الغم الأول القتل

والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ صاح به الشيطان وقيل: الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني ما أصابهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم الأول الهزيمة، والثاني إشراف أبي سفيان وخالد عليهم في الجبل، فلما نظر إليهم المسلمون غمهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم، فأنساهم هذا ما نالهم…”164.

ولما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقي من أهل الطائف بقي مهموما لم يستفق إلا وهو بقرن الثعالب، وهو “ميقات أهل نجد، ويقال له قرن المنازل أيضا، وهو على يوم وليلة من مكة165.

فلو كان حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن انقطاع الوحي عنه فترة قد دفعه إلى محاولة

“الانتحار” لكان ذلك أجدر بالذكر –لما سألت عائشة رضي الله عنها- من حادثة الطائف على أننا لوافترضنا صحة ما جاء في بلاغ الزهري رحمه الله، فإن ذلك لايقدح في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ لم ينزل، آنذاك، أي تشريع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بله تشريع تحريم الانتحار كما سبق بالإضافة إلى ذلك، فإننا نلمس في ذلك البلاغ – لو صح – تحقق عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا نظير ما جاء في قوله عليه السلام:

” ما هممت بشيء مما كانوا في الجاهلية يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه…” (الحديث)166 وفي ذلك “دليل واضح على أن ثمة عناية إلهية خاصة تسيره…”167، تلك العناية الإلهية هي “من أعظم الآيات الدالة على معنى النبوة التي خلقه الله لها وهيأه لحمل أعبائها “168.

ثم إن ما ذُكِر نظير أيضا لما حدث ليوسف عليه السلام، مما جاء في قوله تعالى:

( ولقد همت به، وهم بها لولا أن رءا برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلَصين ) (يوسف: 24).

الهوامش

 2 – السباعي رحمه الله، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص 92.

3 – الروض الأنف للسهيلي، ص 1/205-214.
4 – نفسه.
5 – تهذيب التهذيب، ص 10/360.
6 – مصادر السيرة للدكتور فاروق حمادة حفظه الله، ص 88.
7 – الدرر في اختصار المغازي والسير، لابن عبد البر رحمه الله، ص 14.
8 – موضوع “ضوابط في منهجية دراسة السيرة”.
9 – السيرة النبوية للسباعي، ص 20.
10 – أخرجه في الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط، حديث 2262.
11 – أخرجه في كتاب التجارات، باب الصناعات، حديث 2149. وقال الألباني: صحيح.
12 – ص 22.
13 – أخرجه البخاري في المناقب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى….عند الله أتقاكم)، حديث 3493.
14 – مسلم في البر والصلة والآداب، باب الأرواح جنود مجندة، حديث 160.
15 – ص 21.
16 – أخرجه البخاري في بدء الوحي، باب بدون ترجمة، حديث 07.
17 – ص 24.
18 – نفسه بنفس الصفحة.
19 – الفتح، من المقدمة، ص 18.
20 – مقدمة الفتح، ص 21.
21 – ص 25.
22 – ص 26.
23 – ص 33.
24 – أخرجه في التفسير، باب قول الله -تعالى-: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، حديث 4772.
25 – أخرجه الحاكم في المستدرك ()، وقال:
26 – الفتح 8/652.
27 – نفسه بنفس الصفحة.
28 – عن علي قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو ليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين). أخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، حديث 3101، وقال: حديث حسن وقال الألباني: صحيح.
29 – الفتح 8/652.
30 – الإتقان، ص 1/94.
31 – نفسه، ص 1/98.
32 – نفسه بنفس الصفحة.
33 – يقولون عن الكافي مثلا: – ” كتاب الكافي…أضبط الأصول وأجمعها، وأحسن مؤلفات الفرقة الناجية” (المجلسي، مقدمة أصول الكافي، 1 /27-28). – يذكر بعضهم أن هذا الكتاب عُرِض على الإمام المهدي فاستحسنه وقال: “كافٍ لشيعتنا” (نفسه، 1/26). – “الكافي وهو من أجل كتب الشيعة وأكثرها فائدة” (المفيد، تصحيح الاعتقاد، ص 27). – “…وأحسن ما جمع منها الكتب الأربعة التي هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم من الصدر الأول إلى هذا الزمان، وهي الكافي والتهذيب والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، وهي متواترة ومضامينها مقطوع بصحتها،والكافي أقـدمها وأعظمها وأحسنها وأتقنها، وفيه ستة عشر ألف ومئة وتسعة وتسعون حديثا، وهي أكـثر مما اشتملت عليه الصحاح الستة بأجمعها، كما صرح به الشهيد في الذكرى، وغير واحد من الأعلام” (عبد الحسين شرف الدين الموسوي، المراجعات، المراجعة 110، ص 424). غير أن من علماء الشيعة من يشكك في صحة الكثير من الأحاديث الموجودة في الكافي، تكفي الإشارة إلى أن المجلسي قد حكم في “مرآة العقول” على ما يقرب من ثلثي الكافي بالضعف، كما أن أحد علماء الشيعة المعاصرين(محمد باقر البهبودي) زاد كثيرا في تضعيفه لروايات الكافي على ما ضعفه المجلسي، وسمى كتابه “صحيحا لكافي”( طبع أخيرا في بيروت في ثلاثة أجزاء). وهذان الكتابان –أي: كتابَي المجلسي والبهبودي- كثيرا ما يتناقضان في الحكم على روايات كتاب الكافي. فما يصححه المجلسي هنا يضعفه البهبودي هناك في الغالب وفي ذلك قال أحد علماء الشيعة: ” وإن أقدم الكتب الأربعة زمانا وأنبهها ذكرا وأكثرها شهرة هو كتاب الكافي للشيخ الكليني، وقد ذكر المحدثون بمدرسة أهل البيت أن فيها خمسة وثمانين وأربعمائة وتسعة آلاف حديث ضعيف من مجموع 16121حديث، وإذا رجعت إلى شرح الكافي المسمى بمرآة العقول وجدت مؤلفه المجلسي – أحد كبار علماء الحديث – يذكر لك في تقييمه أحاديث الكافي ضعف ما يراه منها ضعيفا، وصحة ما يرى منها صحيحا، ووثاقة ما يرى منها موثقا أو قويا باصطلاح أهل البيت.وقد ألف أحد الباحثين في عصرنا “صحيح الكافي” اعتبر من مجموع 16121 حديث من أحاديث الكافي 3328 حديثا صحيحا وترك 11693 حديثا منها لم يرها حسب اجتهاده صحيحة” (معالم المدرستين – السيد مرتضى العسكري ج 3  ص 282).
34 – توثيق السنة بين الشيعة الإمامية وأهل السنة في أحكام الإمامة ونكاح المتعة، أحمد حارس سحيمي، ص 328.
35 – بحار الأنوار (35 / 155).
36 – نفسه بنفس الجزء والصفحة.
37 – نفسه بنفس الجزء والصفحة.
38 – نفسه بنفس الجزء والصفحة.
39 – نفسه بنفس الجزء والصفحة.
40 – نفسه بنفس الجزء والصفحة.
41 – السيرة النبوية للسباعي، ص 33.
42 – نفسه، ص 38.
43 – أخرجه في مناقب الأنصار، باب هِجْرَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، حديث 3906.
44 – أخرجه في الأشربة، باب جواز شرب اللبن، حديث 91.
45 – السيرة النبوية للسباعي، ص 38.
46 – نفسه، ص 44.
47 – الروض الأنف للإمام السهيلي، ص 4/218، من كلام المحقق الشيخ عبد الرحمن الوكيل، هامش 2.
48 – البداية والنهاية، ص 9/143-144.
49 – ص 6/325.
50 – السيرة النبوية للسباعي، ص 50.
51 – نفسه، ص 50.
52 – أخرجه في الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه، إلا الدين، حديث 117.
53 – السيرة النبوية للسباعي، ص 52.
54 – كتاب المغازي، باب غزوة أحد، حديث 4043.
55 – أحمد في (4/293).
56 – احمد (1/287).
57 – السيرة النبوية للسباعي، ص 56.
58 – البخاري في المغازي – باب مرجع النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم، حديث 4122. والحديث أيضا في مسلم في الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد… حديث 64. وبنحوه رواه أحمد (6/56).
59 – السيرة النبوية للسباعي، ص 56.
60 – أخرجه في كتاب الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء، حديث 946. وأخرجه مسلم بنحوه في الجهاد، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، حديث 69.
61 – السيرة النبوية، ص 59.
62 – نفسه، ص 63.
63 – البخاري في الجهاد والسير، باب بَغْلَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْبَيْضَاء، حديث 2874.
64 – السيرة النبوية، ص 74.
65 – كتاب الجهاد والسير، باب الْحَرْبُ خَدْعَة، حديث 3030.
66 – الفتح 6/195.
67 – معرفة علوم الحديث لابن الصلاح، ص 83/84.
68 – السيرة النبوية، ص 80.
69 – أخرجه في البيوع، باب في تضمين العارية، حديث 3562. وقال الألباني: “صحيح”. وأخرجه ايضا: – الحاكم في المستدرك (3/48-49) في المغازي، باب ذكر غزوة حنين، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في الذيل. – أحمد (3/401) و(6/365). – البيهقي في الكبرى (6/89) في العارية، باب العارية المضمونة.
70 – الألباني رحمه الله، إرواء الغليل، ص 5/346.
71 – السيرة النبوية، ص 81.
72 – أخرجه في الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، حديث 2180، وقال الترمذي:” حسن صحيح”. وهو في أحمد 5/218 بطريقين، عن أبي واقد الليثي.
73 – السيرة النبوية، ص 86.
74 – أخرجه في الجهاد والسير، باب: قتل الصبيان في الحرب، حديث 3014.
75 – أخرجه في الجهاد والسير، باب: قتل النساء في الحرب، حديث 3015.
76 – أخرجه في الجهاد، باب في قتل النساء، حديث 2669. وقال الألباني: “حسن صحيح”.
77 – أخرجه في الجهاد، باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان، حديث 2842. وقال الألباني: “حسن صحيح”.
78 – السيرة النبوية، ص 96.
79 – أخرجه في المغازي، باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، حديث 4288.
80 – كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلا)، حديث 3352.
81 – السيرة النبوية، ص 96.
82 – أخرجه في المغازي، باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، حديث 4287.
83 – ص 8/20.
84 – كتاب الجهاد والسير، باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، حديث 87.
85 – السيرة النبوية، ص 19.
86 – أخرجه في المناقب، باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم، حديث 3607، وقال:” حديث حسن، وعبدالله بن الحارث هو ابن نوفل”.
87 – السلسلة الضعيفة، ص 7/74.
88 – المستدرك (3/247).
89 – أخرجه في الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، حديث 01. وأخرجه الترمذي في المناقب، باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم، حديث 3606، وقال الألباني: صحيح.
90 – السيرة النبوية، ص 31.
91 – مجمع الزوائد (6/35).
92 – السيرة النبوية الصحيحة، د. أكرم ضياء العمري، ص1/186.
93 – نفسه بنفس الصفحة.
94 – السيرة النبوية، ص 38.
95 – دلائل النبوة، ص 2/506 – 507.
96 – الفتح، ص 7/333.
97 – تقريب التهذيب، ص 82.
98 – الضعيفة رقم 598.
99 – السيرة النبوية الصحيحة، ص 1/219.
100 – المستدرك (4/16).
101 – الفتاوي، 18/124.
102 – مقال: “دراسة في حديث (طلع البدر علينا)، دراسة حديثية للخبر والنشيد” للدكتور أنيس بن أحمد بن طاهر الأندنوسي، مجلة (مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة)، عدد 12.
103 – ملخص لكلام محمد محمد حسن شراب في كتابه: “المعالم الأثيرة”. أخذته عن مقال الدكتور أنيس الأندنوسي المذكور.
104 – المواهب اللدنية مع شرح الزرقاني، ص 2/166.
105 – شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، ص 2/166.
106 – زاد المعاد (3/551).
107 – أخرجه في المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، حديث 4427.
108 – أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، حديث 3925.
109 – الفتح، ص 7/332.
110 – مقال: “تحقيق أنشودة طلع البدر علينا…” للشيخ حاي الحاي، مجلة “أ ُمّتي”، عدد 42.
111 – السيرة النبوية، ص 75.
112 – نفسه بنفس الصفحة.
113 – أخرجه في العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث 2687، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
114 – رواه ابن ماجة في الزهد، باب الحكمة، حديث 4169.
115 – من تحقيق الألباني رحمه الله لمشكاة المصابيح للخطيب التبريزي، ص 1/75.
116 – السيرة النبوية، ص 81.
117 – نفسه.
118 – المسند (1/294).
119 – نفسه (1/299).
120 – أخرجه في السير، باب ما جاء في السرايا، حديث 1555.
121 – أخرجه في الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا، حديث 2611.
122 – السيرة النبوية، ص 96.
123 – تفسير البغوي، ص 7/408.
124 – نفسه.
125 – الفتح السماوي للمناوي، ص 3/1015.
126 – نفسه.
127 – السنن الكبرى، كتاب التفسير، باب قوله تعالى:(أفرايتم اللات والعزى)، حديث 11547.
128 – الفتح السماوي، ص 3/1015.
129 – السيرة النبوية، ص 26.
130 – نفسه.
131 – في التعبير، باب أول ما بديئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، حديث 6982.
132 – فتح الباري، ص 12/446.
133 – الطبقات لابن سعد، ص 1/196.
134 – ميزان الاعتدال للذهبي رحمه الله، ص 3/665.
135 – نفسه، ص 3/663.
136 – نفسه، ص 3/665.
137 – نفسه، ص 3/665.
138 – نفسه بنفس الصفحة.
139 – الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ص 6/26.
140 – الكامل لابن عدي، ص 7/481.
141 – سير أعلام النبلاء للذهبي، ص 9/462.
142 – نفسه بنفس الصفحة.
143 – نفسه بنفس الصفحة.
144 – نفسه بنفس الصفحة.
145 – نفسه، ص 9/469.
146 – السلسلة الضعيفة، ص 3/161. الضعيفة 1052.
147 – تاريخ الطبري، ص 2/300-301.
148 – تحرير تقريب التهذيب، ص 2/59.
149 – التاريخ الكبير، ص 4/84.
150 – تهذيب التهذيب لابن حجر، ص 4/139.
151 – نفسه.
152 – التاريخ الكبير، ص 1/69.
153 – الكاشف للذهبي، ص 3/32.
154 – الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي، ص 7/530.
155 – الكاشف، ص 3/32.
156 – كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة ،حديث 6982.
157 – كتاب بدء الوحي، باب بدون ترجمة، حديث 03.
158 – كتاب التفسير، باب بدون ترجمة، حديث 4953.
159 – الفتح، ص 12/440.
160 – أخرجه في الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، حديث 15.
161 – الفتح، ص 1/81.
162 – الفتح، ص 12/446.
163 – أخرجه في بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم “آمين” والملائكة في السماء…ح 3231.
164 – تفسير القرطبي رحمه الله، ص 4/184
165 – فتح الباري، ص 6/388.
166 – أخرجه الحاكم عن علي رضي الله عنه، وقال: صحيح على شرط مسلم.
167 – فقه السيرة للدكتور البوطي حفظه الله، ص 51.
168 – نفسه.

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Hide Buttons