المرأة في سيرة السباعي من خلال “العبر والعظات”

يلخص السباعي رحمه الله قضية المرأة – في كتاب من أروع كتبه حولها- تلخيصا جيدا فيقول:

” إن قضية المرأة هي قضية كل مجتمع في القديم والحديث، فالمرأة تشكل نصف المجتمع من حيث العدد، وأجمل ما في المجتمع من حيث العواطف، وأعقد ما في المجتمع من حيث المشكلات ومن ثمة كان من واجب المفكرين أن يفكروا في قضيتها دائما على أنها قضية المجتمع، أكثر مما يفكر أكثر الرجال فيها على أنها قضية جنس متمم أو مبهج “2 ويركز السباعي رحمه الله، انطلاقا من بعض أحداث السيرة، على بعض المواضيع المرتبطة بقضية المرأة وعلاقتها بالإسلام فكثيرا ما يثير المستشرقون –ومن يتبعهم من محترفي الغزو الفكري ممن يحسب على المسلمين- هذا الموضوع ظانين أنه يصيب من الإسلام مقتلا ولكن، هيهات هيهات! فالإسلام دين الله، وما كان من الله سبحانه “دام واتصل”3.

والسباعي رحمه الله يذكر بعض شبهات أعداء هذا الدين حول المرأة في الإسلام، وخاصة منهم ” أولئك المتعصبين من المستشرقين وغيرهم من الغربيين الذين زعموا لقومهم أن الإسلام يهين المرأة ويحتقرها، ولا يجعل لها مكانها اللائق في المجتمع في حدود رسالتها الطبيعية، بل تمادى بهم الإفك إلى الادعاء بأن الإسلام لا يفسح مجالا للمرأة في الجنة، فلا تدخلها مهما عملت من خير، وقدمت من عبادة وتقوى !!”4.

ويتغاضى الغربيون عن سوء تعاملهم مع المرأة، إذ يورد السباعي رحمه الله، من نماذجهم في ذلك التعامل السيء، صنيع الصليبيين لما استولوا على بيت المقدس، إذ أمَّنوا السكان، لكنهم أعملوا فيهم السيف ذبحا وتقتيلا بمجرد تمكنهم، “وقد بلغ من ذبحوا فيه سبعين ألفا من العلماء والزهاد والنساء والأطفال”5 وذروة النفاق أن يتحدث الغربيون “إلينا عن حقوق الإنسان ويوم الأطفال ويوم الأمهات، تدليلا على سمو حضارتهم”6، في حين هم يستبيحون، لأجل إخماد ثورات الشعوب المستعمَرة لهم، “تخريب المدن والقرى وقتل سكانها بالآلاف وعشرات الآلاف”7، ومن أولئك السكان “الضعفاء، أو الذين لم يشتركوا في القتال، كالرهبان والنساء والشيوخ والأطفال…”8.

أما الإسلام، فقد نهى عن قتل تلك الفئات، وهو “شيء تفرد به في تاريخ الحروب في العالم “9. ويستدل السباعي رحمه الله على ذلك بما حدث في غزوة حنين، إذ “مر صلى الله عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس متقصفون عليها، فقال: ما هذا؟ قالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه: أدرِكْ خالدا فقل له: إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا”10 ومما يؤيد هذا النهي ما أورده السباعي رحمه الله أيضا من أن الرسول صلى الله عليه وسلم “حين جهز جيش أسامة لقتال الروم – قبل وفاته بأيام- كان مما أوصاهم به: الامتناع عن قتل النساء والأطفال والعجزة والرهبان الذين لا يقاتلون أو لا يعينون على قتال، وكذلك فعل خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين أنفد بعث أسامة…”11 ، وهو ما فعله أيضا صلاح الدين الأيوبي رحمه الله مع الصليبيين “بعد أن انتصر عليهم، واسترد منهم بيت المقدس، فقد أعطى الأمان للشيوخ ورجال الدين والنساء والأطفال، بل وللمحاربين الأشداء، فأوصلهم إلى جماعاتهم بحراسة الجيش الإسلامي، لم يمسسهم سوء…”12 ويذكر السباعي رحمه الله، انطلاقا من السيرة النبوية، عن المرأة أنها: الزوجة الصالحة، والعالمة، والداعية، والمجاهدة…

1- الزوجة الصالحة:

حث الإسلام المسلم على اتخاذ الزوجة الصالحة فعن ثوبان قال: لما نزل في الفضة والذهب ما نزل، قالوا: فأي المال نتخذ؟ قال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك فأَوْضَعَ على بعيره فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في أَثَره، فقال: يا رسول الله، أي المال نتخذ؟ قال: “ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة”13 واعتبر الإسلام الزوجة الصالحة خير متاع الدنيا عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما الدنيا متاع، وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة”14 وعند السباعي رحمه الله، لا يخفى الدور الكبير للزوجة الصالحة في الحياة الدعوية لزوجها، فهي “تذلل كثيرا من الصعاب لزوجها الداعية إذا شاركته في همومه وآلامه، وبذلك تخفف عنه عبء هذه الهموم، وثبت في نفسه الاستمرار والثبات…”15. وإن”المثل الأعلى لما تستطيع الزوجة المؤمنة بدعوة الخير أن تلعبه من دور كبير في نجاح زوجها الداعية وثباته واستمراره في دعوته”16 هو موقف خديجة رضي الله عنها مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يخفى أيضا دور الزوجة الصالحة في تنشئة أجيال من المؤمنين الصالحين، خاصة “وأن الفضل الكبير في تربية صغار الصحابة ثم التابعين من بعدهم يعود إلى نساء الإسلام اللائي أنشأن هذه الأجيال على أخلاق الإسلام وآدابه، وحب الإسلام ورسوله، فكانت أكرم الأجيال التي عرفها التاريخ في علو الهمة واستقامة السيرة، وصلاح الدين والدنيا”17 وفقد مثل هذه الزوجة مدعاة إلى الحزن والترحم عليها وإكرام أقربائها وصديقاتها، مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فقد السيدة خديجة رضي الله عنها، وهو سلوك “تقتضيه طبيعة الإخلاص للدعوة، والوفاء للزوجة المثالية في تضحيتها وتأييدها”18.

2- المرأة العالمة:

حرصت نساء الصحابة على العلم بدين الله سبحانه، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله قال: “اجْتَمِعْن يوم كذا وكذا”. فاجْتَمَعْن، فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله…”19 وقد برز في ميدان العلم كثيرات أمثال عائشة رضي الله عنها، وأم الدرداء وحفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن وغيرهن…فكن عالمات ومعلمات لغيرهن، لا يستحيين من السؤال عن العلم والمراجعة فيه: عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه…”20.

والشيخ السباعي رحمه الله يرى أن الإصلاح الإسلامي، ما لم تشارك فيه المرأة المسلمة، فإنه سيظل وئيد الخطا ولذلك علينا أن ” نعمل على أن تحمل الفتيات والزوجات لواء دعوة الإصلاح الإسلامي في أوساط النساء، وهن أكثر من نصف الأمة “21 ولن يتأتى هذا الأمر إذا كانت تلك الفتيات والزوجات جاهلات بدين الله، ولذلك يقول السباعي رحمه الله أنه علينا ” أن نشجع بناتنا وأخواتنا على تعلم الشريعة في معهد موثوق بحسن تدريسه للإسلام…”22.

إن دعوة السباعي رحمه الله إلى تعلم المرأة المسلمة تبرز قيمتها عندما نعلم أن الخطاب الاستعماري أنتج –ولازال ينتج- خطابا نسويا يزعم أن “الإسلام يضطهد المرأة، وأن الحجاب الذي يفرضه عليها هو رمز لهذا الاضطهاد…”23 ومن ثمة فإن تعلم المرأة كفيل بمواجهة ذلك الخطاب النسوي الاستعماري، والعمل على إصلاح مجتمعات المسلمين يقول رحمه الله: “كلما كثر عدد هؤلاء الفتيات العالمات بالدين، الفقيهات في الشريعة، الملمات بتاريخ الإسلام، المحبات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، المتخلقات بأخلاقه وأخلاق أمهات المؤمنين، استطعنا أن ندفع عجلة الإصلاح الإسلامي إلى الأمام دفعا قويا، وأن نقرب اليوم الذي يخضع فيه مجتمعنا الإسلامي لأحكام الإسلام وشريعته “24 وهكذا يضع السباعي رحمه الله دور المرأة المسلمة العالمة في قلب معركة التغيير الحضاري للأمة.

3- المرأة الداعية:

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “وقع في قلب أم شريك الإسلام وهي بمكة، فأسلمت،

ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا، فتدعوهن وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها…”25 لم تكن أم شريك هي الوحيدة من الرعيل الأول من النساء المسلمات الداعيات، بل كانت الدعوة عمل الصحابيات الأول وبما أن السباعي رحمه الله نظر في السيرة “بعين الداعية الخبير”26، فإنه لم ينس دور المسلمة في هذا المجال، أي مجال الدعوة إلى الله سبحانه لقد تحملت المسلمة هذا الدور مع الجيل الأول الذي رباه الرسول صلى الله عليه وسلم والأدلة على ذلك كثيرة، يذكر السباعي رحمه الله “ثبات نسيبة أم عمارة، ووقوفها وزوجها وأولادها حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكشف المسلمون يوم أحد”27، وهذا “دليل من الأدلة المتعددة على إسهام المرأة المسلمة بقسط كبير من الكفاح في سبيل دعوة الإسلام”28 ويميز السباعي رحمه الله بين صنفين من النساء المسلمات:

– امراة “صالحة مستقيمة تكتفي من صلاحها بإقامة الصلوات وقراءة القرآن والبعد عن المحرمات”29.

– وامرأة “منحرفة في تيار الحضارة الغربية، قد استبدلت بآداب الإسلام آدابها، وبأخلاق المرأة العربية المسلمة أخلاق المرأة الغربية التي جرت عليها وعلى أسرتها وشعبها البلاء والشقاء…”30.

والمسلمة مطالبة الآن “أن تتقدم من جديد لتخدم الإسلام والمجتمع الإسلامي في حدود وظيفتها الطبيعية، ورسالتها التربوية، وخصائصها الكريمة، من نبل وعفة وحشمة وحياء”31، أي -بعبارة أخرى- “أن تحمل المرأة المسلمة عبء الدعوة إلى الله من جديد”32، وهذا هو “دورها الطبيعي”، مما يعني – من ضمن ما يعنيه- “حاجة الدعوات الإصلاحية إلى النساء”33, وهي حاجة يبررها:

أ– أن النساء “أرق عاطفة، وأكثر اندفاعا، وأسمح نفسا، وأطيب قلبا والمرأة إذا آمنت بشيء لم تبال في نشره والدعوة إليه بكل صعوبة، وعملت على إقناع زوجها وإخوتها وأبنائها به”34.

ب– أن المرأة المسلمة مؤهلة كي “تدعو إلى الله في أوساط الفتيات والزوجات والأمهات، ولتنشئ في أطفالنا حب الله ورسوله…”35.

ولا يعدم تاريخ الدعوة نماذج لتلك المرأة الداعية، “فخديجة، وعائشة، وأسماء، والخنساء وأم سليم وأمثالهن “36 كلهن نماذج يمكن تكرارها اليوم، إذ “التوجيه الصحيح، والإيمان الواعي المشرق، كفيل بذلك وأكثر منه” 37 وما لم توجد مثل هذه المرأة اليوم، فإن “حركة الإصلاح الإسلامي ستظل وئيدة الخطا، قليلة الأثر في المجتمع”38. ويكرر السباعي رحمه الله ذلك ويركز عليه فيقول: “وما دام ميدان الدعوة شاغرا من الفتاة المسلمة الداعية، أو غير ممتلئ بالعدد الكافي منهن، فستظل الدعوة مقصرة في خطاها، وستظل حركة الإصلاح عرجاء حتى يسمع نصف الأمة –وهن النساء- دعوة الخير…”39.

4- المرأة المجاهدة:

تتداخل هذه المهمة –عند المرأة المسلمة- مع المهمة السابقة، إذ كل دعوة جهاد، وكل جهاد دعوة بل كل عمل صالح أتاه صاحبه بإخلاص فهو جهاد وقد ورد في الحديث ما يدعم هذا المعنى: فعن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم سأله نساؤه عن الجهاد، فقال: نعم الجهاد الحج”40. وقد قال ابن حجر رحمه الله:

“الجهاد بكسر الجيم أصله لغة المشقة. يقال: جهدت جهادا بلغت المشقة.

وشرعا: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق.

فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها.

وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات.

وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب.

وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب…”41.

وسيتم الاقتصار هنا على الجهاد بمعنى ” بذل الجهد في قتال الكفار” كما قال ابن حجر رحمه الله.

يذكر السباعي رحمه الله أن “لجهاد المرأة في سبيل الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صفحات بيضاء مشرقة” 42، وهي صفحات خطتها صحابيات فضليات تمتلئ كتب المغازي والسير وكتب التراجم بذكرهن، ومنهن، مما يذكر السباعي رحمه الله بعض مواقفهن ويقف عندها:

* أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية، فقد لخص قصة بلائها في غزوة أحد لما تكلم عن وقائعها وأحداثها، فقال رحمه الله، وهو يذكر من ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة:

” … ومنهم: نسيبة أم عمارة الأنصارية، تركت سقاء الجرحى، وأخذت تقاتل بالسيف، وترمي بالنبل، دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيبت في عنقها، فجرحت جرحا عميقا، وكان معها زوجها وابناها، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم:(بارك الله عليكم أهل بيت)، فقالت له نسيبة: اُدع الله أن نرافقك في الجنة، فقال: (اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة)، فقالت رضي الله عنها بعد ذلك: ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا وقد قال صلى الله عليه وسلم في حقها:” ما التفت يمينا وشمالا يوم أحد، إلا ورأيتها تقاتل دوني”، وقد جرحت يومئذ اثني عشر جرحا، ما بين طعنة برمح وضربة بسيف “43.

وقد شهدت أم عمارة ليلة العقبة، وشهدت أحدا، والحديبية، ويوم حنين، ويوم اليمامة، وجاهدت كثيرا، بل قُطِعت يدها في الجهاد جاء في سيرة ابن هشام عن أم عمارة ما يلي:

” ذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة، فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك فقالت: خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة أقمأه الله! لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة، فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان”44 ويلخص ابن القيم رحمه الله هذا الكلام فيقول:

“… وقاتلت أم عمارة، وهي نسيبة بنت كعب المازنية، قتالا شديدا، وضربت عمرو بن قمئة بالسيف ضربات فوقته درعان كانتا عليه، وضربها عمرو بالسيف، فجرحها جرحا شديدا على عاتقها”45.

* أم سليم بنت ملحان، وقصة مشاركتها في غزوة حنين يذكرها السباعي رحمه الله بقوله:

” كانت في المعركة مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها بِبُرْد لها وهي حامل، ومعها جمل لأبي طلحة وقد خشيت أن يفلت منها، فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: أم سليم؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقاتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أو يكفي الله يا أم سليم !”. وكان معها خنجر، فسألها زوجها أبو طلحة عن سر وجوده معها، فقالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به ! فأعجب بها أبو طلحة، ولفت نظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما تقول” 46 وفي “طبقات ابن سعد” أن أبا طلحة قال: “يا رسول الله، إن أم سليم معها خنجر” فقالت: يا رسول الله، أتخذه إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، أقتل به الطلقاء، وأضرب أعناقهم إن انهزموا بك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: “يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن”47.

من هذين الموقفين يستنتج السباعي رحمه الله مجموعة من الدروس مر بعضها حين الكلام عن المرأة الداعية، كما يستنتج:

– أن المرأة المسلمة “هكذا ينبغي أن تكون: جريئة تسهم في معارك الدفاع بحضورها بنفسها، حتى إذا احتيج إليها أو دنا منها الأعداء، ردت عدوانه بنفسها كيلا تؤخذ أسيرة مغلوبة”48.

– “أن للمرأة المسلمة في تاريخ الإسلام حين نشوئه صفحات مشرقة من الفداء والبلاء والتضحية والشجاعة”49.

– أن هذه الصفحات المشرقة “تصفع أولئك المتعصبين من المستشرقين وغيرهم من الغربيين الذين زعموا لقومهم أن الإسلام يهين المرأة ويحتقرها…”50. وقد مر هذا الكلام من قبل، هذه هي المرأة عند السباعي رحمه الله، من خلال دروسه وعظاته في السيرة النبوية، يستنهض بمواقفها الهمم، ويستحث بجهادها خطا بنات المسلمين نحو غد أفضل، “فمَنِ التي تفتح سجل الخلود للمرأة العربية المسلمة في عصرنا الحاضر، غير عابئة بتضليل المضللين، واستهزاء المستهزئين من أعداء الخير والحق والفضيلة والدين ؟”51.

 

الهوامش

2 – المرأة بين الفقه والقانون للسباعي رحمه الله، ص 09 (من المقدمة).
3 – جزء من كلمة مأثورة عن بعض السلف، وهي: “ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل”.
4 – السيرة النبوية للسباعي، ص 85.
5 – نفسه، ص 87.
6 – نفسه، ص 87/88.
7 – نفسه، ص 86.
8 – نفسه، ص 86.
9 – نفسه، ص 86.
10 – نفسه، ص 86. والحديث المذكور أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وُجِدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان (أخرجه في الجهاد والسير، باب قتل النساء في الحرب، حديث 3015). واخرجه أبوداود عن رَبَاح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا فقال: “انظر علام اجتمع هؤلاء؟” فجاء فقال: على امرأة قتيل. فقال: “ما كانت هذه لتقاتل!” قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلا فقال: “قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا عسيفا” (أخرجه في الجهاد، باب في قتل النساء، حديث 2669، وقال الألباني: “حسن صحيح”).
11 – السيرة النبوية، ص 87.
12 – نفسه ص 87.
13 – أخرجه ابن ماجة في النكاح، باب أفضل النساء، حديث 1856، وذكر الألباني أنه “صحيح”.
14 – أخرجه ابن ماجة في النكاح، باب أفضل النساء، حديث 1855، وقال الألباني “صحيح”.
15 – السيرة النبوية، ص 33.
16 – نفسه، ص 33.
17 – نفسه، ص 42.
18 – نفسه، ص 33.
19 – أخرجه مسلم في البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، حديث 152.
20 – أخرجه البخاري رحمه الله في العلم، باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه، حديث 103.
21 – السيرة النبوية، ص 42.
22 – نفسه، ص 42.
23 – الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية: المجتمع المصري أنموذجا، مجموعة مفكرين، والكلام للدكتور خالد قطب في مقاله المنشور في الكتاب بعنوان: “الفكر النسوي وتشكيل الخطاب السياسي”، ص 152.
24 – السيرة النبوية، ص 42.
25 – الإصابة 8/248، حلية الأولياء 2/66، الطبقات لابن سعد 8/110-111.
26 – السيرة النبوية، ص 03، من تقديم الدكتور عدنان زرزور.
27 – نفسه، ص 71.
28 – نفسه، ص 71.
29 – نفسه، ص 85.
30 – نفسه، ص 85.
31 – نفسه، ص 86.
32 – نفسه، ص 71.
33 – نفسه، ص 42.
34 – نفسه، ص 42.
35 – نفسه، ص 71.
36 – نفسه، ص 86.
37 – نفسه، ص 86.
38 – نفسه، ص 42.
39 – نفسه، ص 71.
40 – أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب جهاد النساء، حديث 2876.
41 – الفتح، ص 6/3.
42 – السيرة النبوية للسباعي، ص 42.
43 – نفسه، ص 52.
44 – سيرة ابن هشام، ص 3/27.
45 – جامع السيرة لابن القيم، ص 80.
46 – السيرة النبوية، ص 84/85.
47 – الطبقات، ص 8/311، وصححه الحافظ في الإصابة ص 8/229.
48 – السيرة النبوية، ص 85.
49 – نفسه، ص 85.
50 – نفسه، ص 85.
51 – نفسه، ص 86.

 

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Hide Buttons