وقفة مع كتاب
إضاءات لتقريب دراسة المؤلفات:
السيرة النبوية – دروس وعبر

 الكتاب “إضاءات لتقريب دراسة المؤلفات: السيرة النبوية – دروس وعبر” من تأليف: محمد الزباخ، محمد احساين، أحمد جواهري، أحسن إبراهيم الخليل. والكتاب محاولة جادة ” لتقريب دراسة ” مؤلف السباعي رحمه الله حول السيرة. إذ هو – كما في محاوره- مجموعة إضاءات:

– إضاءات لتقريب موضوع السيرة النبوية.

– وإضاءات لتقريب شخصية المؤلف وكتابه…

– وإضاءات منهجية لتقريب التعامل الديداكتيكي مع الكتاب.

– ثم إضاءات تقويمية.

وفي الإضاءات المنهجية والتقويمية يبرز بوضوح الجهد الكبير الذي بذله المؤلفون –جزاهم الله خيرا- خاصة في “توزيع الكتاب حسب مضامينه إلى دروس وحصص ديداكتيكية”2، بالإضافة إلى “اقتراح أنشطة تقويمية للاستئناس والتدرب على إنجاز الفروض وفق مهارات محددة لدراسة وتدريس المؤلفات، تنطلق من دراسة نصوص منتقاة من الكتاب المقرر والاشتغال عليها”3 ولعل مما يبرر هذه الوقفة مع هذا الكتاب أن مؤلفيه قدموه ” بين يدي مدرسي وتلامذة مادة التربية الإسلامية عموما، ومستهدفي مسلك العلوم الإنسانية بالسنة الثانية من سلك الباكالوريا خصوصا”4، باعتبار “إضافة حصة ثالثة إلى حصتي التربية الإسلامية، خصصت لدراسة المؤلفات”5 في السنة الثانية من سلك الباكالوريا، مسلك العلوم الإنسانية كما أنه من الملاحظ الاستفادة الفعلية لمجموعة من السادة الأساتذة من هذا الكتاب خلال تدريس مؤلف السباعي رحمه الله وما يُخْشى أن تكون تلك الاستفادة دون حس نقدي، خاصة وأن في الكتاب تساهلا غير مفهوم مع بعض أدبيات الروافض في مجال السيرة النبوية وقد سبق أن أثيرت ضجة إعلامية، مرة، حول “التشيع” في الكتاب المدرسي للإعدادي، حينما “اكتشف” أحد الصحفيين وجود مواقع شيعية يُوَجَّه التلاميذ إلى “توسيع معلوماتهم عن وحدات معينة ” عبرها. ولقد قيل حينها أن بعضا ممن يمت إلى الطرقية بسبب وراء تلك الضجة، لأجل “السطو” على “حق” تأليف الكتاب المدرسي وحشوه بدروس حول التصوف “السني” !! “المغربي”.

لكن ها نحن نجد هذا التساهل –التربوي- مع التشيع في كتاب أخرج للتلاميذ والأساتذة “وفق ما قررته وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي” كما هو مدون على غلافه.

إن هذا الكلام لا يعني دعوة إلى التعامل الأمني، والمألوف من بعض مسؤولينا (للأسف) في مجال الأفكار والمعتقدات، مع موضوع التشيع والرفض لكن المطلوب أن يتحمل علماؤنا مسؤولياتهم العلمية في مواجهة ذلك الرفض بالحجة والبرهان، لا بشيء آخر ولعل هذا يتطلب إعادة النظر في المقررات الدراسية، خاصة في الثانوي التأهيلي، بما يبين حقيقة التشيع للتلميذ، ويحقق لديه حصانة علمية في مواجهة أفكار أصحاب البدع والأهواء، ومنهم الروافض.

إن شبابنا في حاجة ماسة إلى التعرف على حقيقة التشيع، خاصة مع الدجل الإعلامي الذي ينحط إليه البعض، حينما ينشر أن “المذهب الشيعي أحد المذاهب الإسلامية ولا يختلف معها إلا في الفروع”، أو يتكلم عن “المذاهب الخمسة “، ويقحم فيها “الإمامي الجعفري”، أو يذيع فتوى “بجواز التعبد بذلك المذهب” !!

لقد فوجئت مرة أن يقتنع بعض شبابنا المثقف، في حوار لهم مع أحد “المتشيعين”، وبسرعة بأن الطحال حرام، كما هو الأمر عند الشيعة6، في حين أنه من الثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال”7.

هذا الاقتناع السريع لدى هؤلاء الشباب يطرح -في مجال المادة- تعاملا آخر: فقد كان من المقبول سابقا، أن تتناول بعض دروس المادة إشارات إلى الشيوعية وموقف الإسلام منها، كدرس “الإسلام والشيوعية” في مستوى الباكالوريا سابقا لكن الوضع تغير الآن، وأصبح الأمر يتطلب دروسا من نوع آخر، استجابة للتحديات الجديدة التي تواجه شبابنا، خاصة ما يتعلق منها بمذهب أهل السنة والجماعة.

واعتبارا لما سبق، جاءت هذه الوقفة مع كتاب “إضاءات…”.

إن أساس هذه الوقفة، ما جاء في الكتاب حول التأليف في السيرة إذ نقل الكتاب عن مقال لكاتب شيعي، نشر في مجلة “المنهاج ” اللبنانية8، قوله عما سماه ب “الاتجاه البحثي المعرفي”:

“لما كانت السيرة النبوية تشكل إحدى أهم مصادر المعرفة الإسلامية بعد القرآن، فقد حظيت باهتمام وعناية كثير من الباحثين تدقيقا وتحقيقا بغية الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الاطمئنان إلى حقائق التاريخ النبوي، بعيدا عن الإضافات والاختلاقات ونجد في هذا الاتجاه:

هاشم معروف الحسيني في «سيرة المصطفى- نظرة جديدة»، جعفر مرتضى العاملي «الصحيح من سيرة النبي الأعظم»، جعفر سبحاني في «سيرة سيد المرسلين»، محمد بيومي «السيرة النبوية الشريفة»، أكرم العمري «السيرة النبوية الصحيحة»، محمد أبو شهبة «السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة»، عماد الدين خليل «دراسة في السيرة»، حسين مؤنس في «دراسات في السيرة»…”9.

إن هذه الفقرة تذكر عن مجموعة من الباحثين في السيرة أنهم دققوا وحققوا فيها” بغية الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الاطمئنان إلى حقائق التاريخ النبوي، بعيدا عن الإضافات والاختلاقات” فهل ينطبق ذلك التدقيق والتحقيق عما جاءوا به في كتبهم المذكورة هنا، أعني الكتب الثلاثة الأولى المعروف عن أصحابها أنهم من علماء الشيعة؟ إن نظرة عجلى في بعض أجزاء تلك الكتب تبين أن أصحابها ظلوا حبيسي المعتقدات الشيعية في النظر إلى أحداث السيرة ولنبدأ بكتاب هاشم معروف الحسيني يقول أحد الباحثين المغاربة: “في كتابه (سيرة المصطفى ﷺ، نظرة جديدة) اتهم هاشم معروف الحسيني رواد المغازي الأوائل بأنهم أضافوا إلى السيرة النبوية ما ليس منها، إما عن حب وهوى، وإما عن حقد وسوء نية! وذكر منهم عروة بن الزبير، ومحمد بن شهاب الزهري، وشرحبيل بن سعد، وأبان بن عثمان، وعاصم بن عمر بن قتادة، وموسى بن عقبة وابن إسحاق، رغم اعترافه في مقدمة الكتاب بفضل سبقهم إلى التأليف في السيرة النبوية ونجده يكرر التهمة نفسها في مواضع أخرى من كتابه، حيث يزعم أن هؤلاء الذين دونوا السيرة في مطلع القرن الثاني الهجري قد أدخلوا عليها عشرات القصص والأحاديث، إما عن حب وهوى، أو بقصد التشويه والتشويش لسنة الرسولﷺ وسيرته، ويتهمهم بالكذب والتدليس والعمالة للأمويين ويتهم الإمام الزهري بالعمالة للأمويين، ووضع المرويات التي تسيء إلى الهاشميين لصالح الأمويين، وهؤلاء الذين طعن فيهم الكاتب هم أعلام المغازي، وروادها الأوائل، فعروة بن الزبير(ت 94هـ)، تابعي ثقة، روى عنه الستة وهو من فقهاء المدينة السبعة وأبان بن عثمان

(ت 101 أو 105هـ)، تابعي ثقة وعاصم بن عمر بن قتادة (ت 119هـ)، تابعي ثقة وشرحبيل بن سعد أبو سعد المدني مولى الأنصار (ت 123هـ)، صدوق اختلط بآخرة (أي في آخر حياته فقط صار قليل الضبط)، قال عنه ابن عيينة: (لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه) وموسى بن عقبة (ت 140هـ) محدث ثقة، وقد أثنى الأئمة على مغازيه واعتبروها من أصح ما ألف في السيرة، يقول الإمام مالك: (عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي) ويقول الإمام الشافعي: (ليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره)”10 لكن ما ورد في الكتابين الآخرين أخطر. وفيما يلي مقتطفات منهما، بادئين بكتاب “الصحيح من سيرة النبي الأعظم” لجعفر مرتضى العاملي11:

– “… لو راجعنا الروايات التي يُدّعى أنها تسجل لنا تاريخ نبي الإسلام، صلى الله عليه وآله وسلم، لوجدنا هذا النبي، الذي اصطفاه الله واختاره من بين جميع خلقه، ووصفه جل وعلا في القرآن الكريم بأنه(على خلق عظيم)، والذي هو أشرف الأنبياء والمرسلين، وأعظم وأكمل رجل وجد على وجه الأرض، وهو عقل الكل، ومدبر الكل، وإمام الكل ـ لوجدناه ـ رجلا عاجزا، ومتناقضا، يتصرف كطفل، ويتكلم كجاهل، يرضى فيكون رضاه ميوعة وسخفا، ويغضب فيكون غضبه عجزا واضطرابا، يحتاج دائما إلى من يعلمه، ويدبر أموره، ويأخذ بيده، ويشرف على شؤونه، ويحل له مشاكله. الكل أعرف، وأقوى، وأعقل منه، كما أثبتته الوقائع المختلفة المزعومة تاريخا وسيرة لحياته صلى الله عليه وآله وسلم وبماذا ؟ وكيف نفسر حمل هذا النبي زوجته على عاتقه لتنظر إلى لعب السودان وخده على خدها ؟ !12

وقد ورد مثل هذا في بعض كتب السنة التي لا تلتزم الصحة فيما تورده من حديث، مثل “تاريخ بغداد” للخطيب، وعند الطبراني…لكنها بأسانيد ضعيفة، وفيها من يضع الحديث أو أنها وضعت ذقنها على يده، وصارت تنظر إلى لعب السودان يوم عاشوراء ؟! ثم هو يترك جيشه لينفرد بزوجته عائشة، ليسابقها في قلب الصحراء، أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، فتسبقه مرة، ويسبقها أخرى، فيقول لها: هذه بتلك… “13.

– “من الذين يسمح لهم بالحديث على نطاق واسع عائشة أم المؤمنين، التي نشرت في الناس ألوف الأحاديث، التي تصب في اتجاه معين، لا يتلاءم كثيراً مع خط علي “عليه السلام” وأهل بيته إن لم نقل: إنه يؤيد الاتجاهات المخالفة له في كثير من الأحيان ومنعاً لأي ريب أو اعتراض، فقد جاءت الضابطة على صورة حديث منسوب إلى النبي (ص) يقول: خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء”14.

– ” ومن المعلوم: أن أبا هريرة الدوسي يستأثر بأكبر رقم من الروايات التي ينسبها إلى النبي (ص)، حيث إن له منها، حسب إحصائية ذكرها العلامة أبو رية رحمه الله 5374 حديثاً ونحن نجد الطعون تتوجه إلى هذا الرجل، أعني أبا هريرة من كل حدب وصوب، وقد ألفت في ذلك الكتب، وكتبت البحوث. بل إنك تجد في الطاعنين عليه من هو من كبار الصحابة أيضاً، وقد قال إبراهيم أبو سيار النظام: أكذبوه: عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة ورد سعد على أبي هريرة مرة، فوقع بينهما كلام حتى ارتجت الأبواب بينهما وروي عن عمر بن الخطاب قوله: أكذب المحدثين أبو هريرة وقد ذكر الذهبي نصوصا عديدة تفيد أنهم كانوا يتجنبون حديث أبي هريرة، ويتكلمون في إكثاره من الحديث وإن أدنى مراجعة لكتاب (أبو هريرة شيخ المضيرة) للشيخ محمود أبي رية، وكذا كتاب (أبو هريرة) للإمام السيد عبد الحسين شرف الدين، تغنينا عن ذكر النصوص الكثيرة لذلك…”. ويتابع طعنه في أبي هريرة رضي الله عنه، فيقول: ” وبعد كل ما تقدم نقول: لقد رأوا: أن هذه الطعون التي تتوجه إلى أبي هريرة من كل حدب وصوب، قد تؤدي إلى إحداث خلل كبير في البنية الفكرية لتيار كبير من الناس، فلابد إذن من مواجهة هذه الهجمة بهجمة مماثلة ولا مانع من أجل تثبيت الأصول والقواعد من استعمال أسلوب التخويف، والتهويل، بل والسباب ثم الاتهام بكل عظيمة وإن لم ينفع ذلك كله في دفع غائلة تلك التجريحات والطعون، فبالإمكان الالتجاء إلى أسلوب تحريض الحكام على أولئك الناس، إذا ما حاولوا التذكير بأقوال السلف ومواقفهم من أبي هريرة راوية الإسلام ولعل خير ما يجسد هذا الاتجاه هو أقوال ابن خزيمة التي جمعت ذلك كله، حيث قرر: أن من يطعن في أبي هريرة: إما معطل جهمي.. وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد، ولا يرى طاعة خليفة، ولا إمام أو قدري أو جاهل هذا كله عدا عن رمي الطاعنين على أبي هريرة بالانحراف، والضلال، وبكثير من أنحاء التوهين والتهجين، والإخراج من الدين كل ذلك إكراما لأبي هريرة، فلأجل عين ألفُ عين تكرم”15.

والكتاب حافل بالاتهامات لعمر رضي الله عنه أيضا كادعاء تبرمه من كثرة قارئي القرآن !! وبالسماح ” لكعب الأحبار أن يقرأ التوراة آناء الليل وأطراف النهار”!!…

فإذا كان هذا الكلام، ومثله كثير، في الجزء الأول فقط من الكتاب، فماذا يُنتَظر أن يذكره الرجل في بقية الأجزاء؟أما في كتاب جعفر سبحاني16، فإننا نقرأ مثلا:

“إيمان جده عبدالمطّلب”17.

– ” إيمان كفيله وعمه أبي طالب”18.

– ” إيمان والدَي النبي الأكرم19.

– ” لقد ذكر محمَّد بن جرير الطبري في تاريخه حادثة دعوة الأقربين بشكل مفصَّل…بيد أنه حرّف في تفسيره وكَتمَ، فهُو عند تفسير قوله تعالى: «وأنذِرْ عَشِيْرتَكَ الأَقرَبين» يذكرُ كلّ ما ذكره في تاريخه، ولكنّه يغيّر ويبدّل في قول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيث يقول: «على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي»، فهو يكتب في تفسيره هكذا:(على أنْ يكونَ كذا وكذا) ولا ريب أنَّ في تغيير عبارة «أخي ووصيّي وخليفتي عَليكم (أوْ فِيكم) إلى: «كذا وكذا» غرضَاً مريضاً، وهو بالتالي خيانة تاريخية فاضحة .على أن الطبري لم يكتف بهذا القدر من التغيير في كلام رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل غيّر حتّى في الجملة الّتي تعقبتها وهي قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد أن قام علىُّ ـ عليه السلام ـ للمرة الثالثة وأعلن عن استعداده لمؤازرة النبي بعد إحجام القوم وسكوتهم: «إن هذا أخي ووصيّي وخليفتي» حيث أبدلها بعبارة: (إنَّ هذا أخي وكذا وكذا)!!!

إن على المؤرخ أن يكون حراً وشهماً في كتابة الحقائق وروايتها، فيثبتها ويرويها كما هي، بكل شجاعة، وصَلابَة ولا ريب أن الّذي دفع بالطبريِّ إلى أن يرتكب مثل ذلك التبديل والتغيير هو تعصّبه المذهبي…”20 ويسير على نفس المنوال في اتهام ابن كثير –رحمه الله- أيضا.

وتحت عنوان : ” النبوة والإمامة توأمان” يقول:

– ” إن الإعلان عن وصاية علىّ ـ عليه السلام ـ وخلافته في مطلع عهد الرسالة وبداية أمر النبوّة يفيد ـ بقوة ووضوح ـ أنَّ هذين المنصبين ليسا بأمرين منفصليْن، ففي اليوم الَّذي يعلِنُ فيه رسولُ اللّه عن رسالته ونبوَّته، يعيّن خليفته ووصيَّه من بعده، وهذا يشهد ـ بجلاء ـ بأن النبوَّة والإمامة يشكِّلان قاعدة واحدة، وأن هذين المنصبين إن هما الاّ كحلقتين متصلتين لا يفصل بينهما شيء …”21.

– ” إن ما هو مسلّم به هو أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أمضى هو وأبو بكر ليلة الهجرة وليلتين أخريين بعدها في غار ثور الّذي يقع في جنوب مكة في النقطة المحاذية للمدينة المنورة .وليس من الواضح كيف تمت هذه المصاحبة والمرافقة ولماذا، فإن هذه المسألة من القضايا التاريخية الغامضة.

فإن البعض يعتقد بأن هذه المصاحبة كانت بالصدفة، فقد رأى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أبابكر في الطريق، فاصطحبه معه إلى غار ثور…”!!! 22 .

فهل بِكُتبٍ فيها مثل هذا الكلام –وأفظع- نقدم للناشئة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟

ولقد كان من الممكن أن يدرك الفضلاء، مؤلفو كتاب “إضاءات…”، أنهم ينقلون من مقال لشيعي، حتى

ولو لم يعرفوا –افتراضا- أن المجلة الناشرة للمقال ذات توجه شيعي. فالمقال نفسه يشير إلى المبادئ الشيعية التي توجهه في التعامل مع كتب السيرة التي ذكرها. فهو يلاحظ على الكثير منها مثلا أنها لا تشير مثلا لحديث الدار23 أو الغدير24…بسبب الانتماء المذهبي لأهل السنة والجماعة، كما في أقواله التالية:

– “انتماء هيكل المذهبي فرض عليه التعامل بحذر مع النصوص التاريخية وبانتقائية، فهو في الوقت الذي لم يشر فيه إطلاقا إلى حديث الغدير، فإنه أشار إلى حديث الدار بتصرف…”25.

– ” قد تكون هذه الروح النقدية هي التي أسهمت في تخفيف البعد الطائفي في بحث فريد وجدي، فلم يكترث بعدد من المقولات التاريخية المذهبية من قبيل العناية الكبيرة بإسلام أبي بكر ليضطر إلى المماحكة كما هو المعروف للجمع بين إسلام (علي أمير المؤمنين) المبكر وما روي في مدرسة الخلفاء عن إسلام أبي بكر، ليصنفوا عليا في الغلمان وأبا بكر في الرجال كما أنه لم يعن في ما تتحدث عنه مدرسة الخلفاء عن كفر أبي طالب، ولكنه تأثر بلا أدنى إشكال بانتمائه المذهبي فلم يأت على ذكر حديث الدار أو حديث الوزارة، تلك الحادثة المبكرة وذات المغزى الكبير، كما لم يأت على ذكر حادثة الغدير “26.

– “ٍ…وفي الوقت الذي تغيب فيه دلالات واقعة الغدير وحديث الدار وحديث الثقلين27 عند السباعي،

يتعمق في اكتشاف دلالات موقف أبي بكر الخليفة الأول حين وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورباطة جأشه وثباته وعدم تأثره للحدث في وقت يهتز فيه عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، ويعد ذلك أكبر شاهد على قدرات أبي بكر القيادية والسياسية التي أهلته لتولي زمام الامور بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم “28.

وفي المقال تلميحات كثيرة تشكك في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما، بل تغمز من قناة بعض

الصحابة كعائشة وعمر رضي الله عن الجميع، فلا نطيل في ذكرها.

فكيف غاب مثل هذا عن المؤلفين الفضلاء، بل نقلوا بعضه مما يتعلق بأبي بكر رضي الله عنه؟!!

لقد كتب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله مرة مقالا في مجلة “الأمة” القطرية 29 عنوانه : “عندما يكون الإلحاد أذكى !!” فهل نقول نحن: “عندما يكون الرفض أذكى…”؟

الهوامش

2 – إضاءات لتقريب دراسة المؤلفات، ص 18.
3 – نفسه بنفس الصفحة.
4 – نفسه، ص 3.
5 – نفسه بنفس الصفحة.
6 – يقول الحلي: “المحرمات من الذبيحة خمس: الطحال والقضيب والفرث والدم والأنثيان…ولو شوِي الطحال مع اللحم، ولم يكن مثقوبا، لم يحرم اللحم. وكذا لو كان اللحم فوقه، أما لو كان مثقوبا، وكان اللحم تحته، حرم” (الحلي، شرائع الإسلام، ص 3/175).
7 – أخرجه ابن ماجة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الأطعمة، باب الكبد والطحال، حديث 3314. وذكر الألباني رحمه الله أنه صحيح (الصحيحة 1118).
8 – العدد 06، السنة الثالثة، صيف 1998. وهي مجلة من إصدار “مركز الغدير اللبناني للدراسات الإسلامية”، ويصفها الدكتور محمد عمراني حنشي في كتابه القيم: ” الأصولية الجعفرية الشيعية والاجتهاد المؤطر بالأسطورة”، بأنها ” لسان حال الأخبارية اللبنانية من مؤسسة الغدير” (ص 17).
9 – إضاءات… ص 09. والفقرة منقولة حرفيا من مقال: محمد الحسيني بعنوان: “الاتجاهات العامة المعاصرة في دراسة السيرة النبوية”، مع حذف لبعض الفقرات أو الكلمات. والغريب أن الكلام أعلاه ذكر في الكتاب في فقرة بعنوان: ” الاتجاهات الحديثة في دراسة السيرة النبوية”.
10 – الكتابة العربية المعاصرة في السيرة النبوية، قضايا وملاحظات، أحمد بن محمد فكير- كلية الآداب- أكادير، (بحث) ص11. وهاشم معروف الحسني: أحد كبار علماء الشيعة ولد في بلدة جناتا قضاء صور في جبل عامل (لبنان) عام 1919 م، وهاجر إلى النجف وتتلمذ على يد علمائها وفقهائها في الفقه والأصول. عاد إلى لبنان، وعمل في القضاء الشرعي وتدرج حتى صار عضوا في المحكمة الشرعية الجعفرية العليا. كتب كثيرا، ومن مؤلفاته: عقيدة الشيعة الإمامية. تاريخ الفقه الجعفري. المبادئ العامة للفقه الجعفري. الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة. دراسات في الكافي للكليني والصحيح للبخاري. الحديث والمحدثون.الموضوعات في الآثار والأخبار. سيرة المصطفي. سيرة الأئمة الإثني عشر. من وحي الثورة الحسينية. بين التشيع والتصوف. الانتفاضات الشيعية. الإرث والميراث وحق الزوجين. الوصايا والأوقاف وإرث الزوجة والعول والتعصيب من الأحوال الشخصية في الفقه الإسلامي. توفي في 19 أيار 1983/ 1403 هـ .
11 – جعفر مرتضى العاملي، أحد كبار علماء الشيعة، ولد في 25صفر عام 1364 هــ / 06 يناير لعام 1945 م في بلدة جنوبية من قرى لبنان تدعى دير قانون رأس العين، ثم استقر في بلدته الأصلية عيثا . بدأ بتحصيل العلوم الدينية منذ صغره على يد والده مصطفى مرتضى. و قبل أن يتم العشرين من عمره توجه إلى النجف لمتابعة دراسته سنة 1382هـ/ 1962م، ثم إلى الحوزة العلمية في مدينة قم بإيران سنة 1388 هـ، وأسهم بعد ذلك، في تأسيس المدرسة العربية التابعة للحوزة العلمية في قم و قد حصل على جائزة الكتاب الأول في إيران لعـام 1992م.، وذلك عن كتابه “الصحيح من سيرة النبي الأعظم “، وعن ذلك يقول في مقدمة الطبعة الرابعة منه: ” إن هذه الطبعة تأتي بعد حصول هذا الكتاب على جائزة الجمهورية الإسلامية في إيران لعام 1413 ه‍. ق. باعتباره الكتاب الأول في مجال كتابة السيرة النبوية المباركة” (ص 5 من المقدمة) . عاد إلى جبل عامل في لبنان في أواخر سنة 1993 م.،وأسس هناك مدرسة دينية باسم “حوزة الإمام علي بن أبي طالب “، وأنشأ المركز الإسلامي للدراسات. من مؤلفاته: أهل البيت في آية التطهير – الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( في 29 جزءا، ويذكر أنه لازال مستمرا في تأليفه) – ولاية الفقيه في صحيحة ابن حنظلة – زواج المتعة (3 أجزاء) – ظلامة أبي طالب – ظلامة أم كلثوم عليها السلام – مأساة الزهراء – الغدير والمعارضون… وغير ذلك من الكتب وفق الآراء العقدية والمذهبية الشيعية.
12 – تلميح إلى ما أخرجه مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: “دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث…” ( الحديث)، إلى أن قالت رضي الله عنها: “…وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب. فإما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة…”(أخرجه في صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، حديث 19). وغير خاف على القارئ التشكيك المبطن في صحة الحديث والغريب أن الشيعة يروون عن الباقر والصادق أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان لا ينام حتى يقبل عرض وجه فاطمة ويدعو لها. وفي رواية: حتى يقبل عرض وجنة فاطمة أو بين ثدييها. وفي رواية: حتى يضع وجهه بين ثدييها (ينظر: بحار الأنوار للمجلسي، ج34/ 42 و55و78).
13 – الصحيح من سيرة النبي الأعظم، ص 1/18. والحديث المقصود بكلام الرجل هو ما أخرجه أبوداود عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: “هذه بتلك السبقة” (أخرجه في الجهاد، باب في السبق على الرجل، حديث 2578. وذكر الألباني رحمه الله أنه صحيح) . وفي بقية كلام الرجل تشكيك في عدد كبير جدا من الأحاديث الصحيحة، مما يتعذر ذكره كله في هذه الإشارات.
14 – نفسه،ص 1/246. ولاحظ التشكيك في مرويات عائشة رضي الله عنها، بل الإيحاء باختلاقها –وحاشاها ذلك- أحاديث ضد علي رضي الله عنه . أما حديث : ” خذوا نصف …” فيضعفه العلماء.
15 – نفسه، ص1/248. والإحالة على المصري محمود أبي رية والشيعي عبدالحسين شرف الدين الموسوي ليست غريبة، إذ الطيور على أمثالها تقع ! علما بأن للعلماء تآليف قيمة في الرد عليهما وعلى أمثالهما .
16 – ولد الشيخ جعفر بن الشيخ محمّد حسين السبحاني في 28 شوال 1347 هـ بمدينة تبريز في إيران. ودرس علوم العربية والفقه والأُصول قي المدارس الدينية حتّى عام 1365 هـ في تبريز، ثمّ في قم، حيث درس الفقه والأُصول والتفسير والفلسفة. من شيوخه: – حسين الطباطبائي البروجردي . – محمّد حسين الطباطبائي . – الخميني ….وغيرهم. أصدر عام 1377 هـ مجلّة ( مكتب الإسلام ). أسس، بعد انتصار الثورة الإيرانية، مجلّة تخصّصية تسمّى ( كلام إسلامي ) . وهو الآن يدرس في الحوزة العلمية في قم من مؤلفاته : أ ـ العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت. ب ـ الأئمّة الإثنى عشر . ج ـ الشيعة الإمامية . …وغير ذلك.
17 – سيد المرسلين لسبحاني،ص 1/286.
18 – نفسه، ص 1/290.
19 – نفسه، ص 1/291.
20 – نفسه، ص 1/395 – 396. وما أشار إليه سبحاني من حادثة دعوة الأقربين هو ما يسميه الشيعة بحديث الدار، وسيأتي قريبا.
21 – نفسه، ص 1/397.
22 – نفسه، ص 1/530. ولاحظ التشكيك في مصاحبة أبي بكر رضي الله عنه للرسول عليه السلام في الهجرة، وهي مصاحبة تقف غصة في حلوق عدد كبير من الشيعة، ولم يستطيعوا ردها إلا بكلام -كالذي ذكره سبحاني هنا- لا يقنع حتى البليد، فكيف بغيره. غير أن تلك المصاحبة يثبتها عدد آخر منهم ولو قل!!
23 – حديث الدار، أو حديث الإنذار، كتب فيه أحد علماء الشيعة، وهو علي الحسيني الميلاني، كتابا بنفس العنوان، أي: “حديث الدار “. والمقصود بالحديث ما رُوِي عن علي قال : لما نزلت ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ورهطك المخلصين، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً فقال : ( أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي ) فعرض عليهم ذلك رجلاً رجلاً كلهم يأبى ذلك حتى أتى عليّ، فقلت: أنا يا رسول الله .فقال : (يا بني عبد المطلب هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي ) قال: فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تطيع لهذا الغلام .‍ وهناك روايات أخرى لهذا الحديث أو لهذه القصة في بحار الأنوار (ج 18 ص 178) وغيره. والحديث فيه زيادات موضوعة نص العلماء على وضعها، خاصة ما ذُكِر من أنه صلى الله عليه وسلم قال: ” ووصيي ووزيري”.
24 – حديث الغدير هو عمدة الشيعة لإثبات ولاية علي رضي الله عنه والوصية له، وقد كتب فيه عبدالحسين الأميني، من علمائهم، كتابا في 13جزءا بعنوان: “الغدير في الكتاب والسنة والأدب”، أما الحديث فنصه: أخرج الطبراني في الكبير (2681، 4971) وغيره عن زيد بن أرقم، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بغدير خم تحت شجرات، فقال: «أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول، وإنكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيراً، فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنته حق، وأن ناره حق، وأن الموت حق، وأن البعث حق بعد الموت، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: اللهم اشهد، ثم قال: يا أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فهذا مولاه ـ يعني علياً ـ اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، ثم قال: يا أيها الناس إني فرطكم، وإنكم واردون على الحوض؛ حوض أعرض مما بين بصرى إلى صنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب الله عز وجل، سبب طرفه بيد الله تعالى، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا علي الحوض . وللعلماء كلام في هذه الرواية، منها أن السند ضعيف.
25 – مقال: ” الاتجاهات العامة المعاصرة …” لمحمد الحسينى، مجلة المنهاج، عدد 06.
26 – نفسه.
27 – حديث الثقلين: الصحيح الوارد فيه ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال 🙁 وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ) , فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال : ( وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي ) أخرجه في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حديث 2408. وللحديث روايات أخرى ضعيفة، لكن تمسك بها الشيعة لوجود ما فهموا منه أنه يأمر بالتمسك بأهل البيت، كحديث علي رضي الله عنه الذي فيه ( إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، سببه بيد الله وسببه بأيديكم، وأهل بيتي )، وهذا أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وهو ضعيف. بل إن الميلاني المذكور يرى أن “هذا الحديث يدل بوضوح على عصمة الأئمة من العترة ووجوب طاعتهم وامتثال أوامرهم والاهتداء بهديهم في الأمور الدينية والدنيوية…” (التحقيق في نفي التحريف، للميلاني، ص 43 من الهامش). ثم يقول: “وقد بحثنا عن هذا الحديث سندا ودلالة في ثلاثة أجزاء من كتابنا الكبير (نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار) الذي طبع منه حتى الآن 12 جزءا” (نفسه).
28 – مقال: ” الاتجاهات العامة…”. وقارن بما جاء في كتاب “إضاءات…” في ص 15، حيث قال المؤلفون: “…كما تعمق –أي السباعي رحمه الله- في اكتشاف دلالات موقف أبي بكر الخليفة الأول حين وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكأنه يشيد بقدرات أبي بكر القيادية والسياسية لتولي زمام الامور”!!
29 – توقفت عن الصدور منذ مدة طويلة.

 

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Hide Buttons