تقديم

د. محمد منصف العسري

رئيس التحرير

الحمد لله الذي أنزل القرآن وجعله شرعة ومنهاجا، والصلاة والسلام على نبي الإسلام الذي بين المنهج الإلهي وجسده في الواقع، فوضع بسنته وسيرته المنهج العملي التطبيقي لتحقيق مهمة الاستخلاف البشري في الأرض، وفق مراد الله تعالى وشريعته الخاتمة، فكان المثل الأعلى في كل شؤون الحياة، كما نبه الله إلى ذلك بدعوته لنا للتأسي به صلى الله عليه وسلم، حيث قال سبحانه: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [الأحزاب: 21].

وقد كانت وقائع السيرة النبوية تأريخا لميلاد ونمو الإسلام، كما جاء في الشريعة الخاتمة، إلى أن اكتمل هذا الدين، مما دعا المسلمين ـ وما يزال يدعوهم دوما ـ إلى الاهتمام الكبير بتلك السيرة، حتى تكون الأجيال المتعاقبة امتدادا فعليا للمرتكز التطبيقي الأول لبناء هذه الأمة في عصر الرسالة، وذلك ليس فقط بقراءة السيرة ومعرفة أحداثها من خلال السرد التاريخي، ولا بالاكتفاء بإدراك ما تنطوي عليه من دروس وعبر، بل بالارتقاء بتلك المعرفة وذلك الإدراك إلى تمثل السيرة النبوية في أخلاقنا ومعاملاتنا وكل شؤون حياتنا، وإشاعة ما تحفل به من القيم الإسلامية بيننا أفرادا وجماعات، فتصير بذلك موجها حقيقيا وخريطة طريق عملية لنهضة الأمة، باعتبار أن التكريم الحقيقي والأعظم من المسلمين للنبي عليه الصلاة والسلام، يتمثل في إتباعهم لسنته، وتأسيهم بسيرته، وتقديمهم لنموذجه السلوكي الأمثل لغيرهم من الناس.

وبهذا تتجلى حاجة الأمة إلى النهل من ذلك النموذج الأكمل المتجسد في سيرة النبي الخاتم صاحب الرسالة الكاملة والشاملة، تلك السيرة التي تضمنت منهاجا للحياة كما أشرنا، ولم تقتصر فيه على جانب محدود أو مرحلة معينة من حياة الإنسان سواء أكان فردا أو جماعة، بل إنها كانت منهاجا كاملا لبناء أمة بكاملها، ودعوة للناس كلهم لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتأسيسا لقواعد العيش للبشرية وفق مبادئ الوحي، لأجل أن تستهدي وتسترشد بها حتى قيام الساعة.

وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بصفتها تطبيقا عمليا للقرآن الكريم، وتجسيدا واقعيا لأحكامه ومبادئه وقيمه، حتى أن كثيرا من الآيات القرآنية تفسرها وتجلي معانيها الأحداث التي مرت بها حياة هذا النبي العظيم في مختلف المجالات، فإنها تؤكد على أنه قدوة لنا وللإنسانية جمعاء، ومن ثمة تكون دراسة السيرة النبوية قراءة بيانية للمقاصد والمضامين القرآنية، وتمثل بالتالي معرفةُ حياة هذا الرسول الخاتم وتعميق تصورنا له، والاعتكاف على سيرته بالدراسة والتحليل، الأسلوبَ العلمي والحضاري الأمثل لبيان حقائق الإسلام للناس كافة.

على أنه مما يتطلب تحقيق تلك الغاية، مزيد من الاعتناء من طرف الباحثين والدارسين بتقريب مضامين سيرة سيد المرسلين، وتيسير الاستفادة من فقهها ومختلف كنوزها، وإعادة كتابتها بالكشف عن ما تضمنته في كثير من الجوانب الاجتماعية والتربوية وغيرها، مما لم تتناوله بالكيفية والقدر المطلوبين جل المؤلفات في السيرة، وإنما عالج بعض المعاصرين في كتاباتهم جوانب منها، وما تزال في حاجة إلى مزيد من الكشف والبيان والتفصيل. ويضاف إلى ذلك مطلب وضع السيرة مهذبة بلغة مساعدة على فهمها أكثر في هذا العصر من طرف الأجيال الناشئة خاصة، وميسرة للإفادة منها بالنسبة لسائر المسلمين، بل وبلوغ فوائدها أيضا إلى غيرهم من الناس الباحثين عن الحق عامة، باعتبار ذلك مدخلا رئيسيا من مداخل إنجاز المشروع التربوي والحضاري للأمة.

وانطلاقا من هذه الأهمية القصوى لدراسة السيرة النبوية، وارتباطها الوثيق بالتربية بالقدوة، التي أولاها منهاج التربية الإسلامية الأخير اهتماما خاصا، حيث أفردها بمدخل الاقتداء ضمن مداخله الخمسة، فإن ربط مختلف موضوعات برامج هذه المادة بفقه السيرة ومعانيها ودلالاتها، يسهل على المتعلمين فهم كثير من الأحكام والمبادئ الشرعية، لأن حياة الرسول الكريم إنما هي صورة مجسدة واضحة لمجموع تعاليم الإسلام. وبذلك يدرك المتعلمون حقيقة القيم الإسلامية من خلال النموذج الواقعي، الذي جسد الحرص على حسن تطبيقها وفق الوجه الصحيح، مما يجلي لديهم الأبعاد التربوية والاجتماعية لتعاليم الإسلام وقيمه بمفهومها الشمولي، وآثارها الإيجابية في واقع الحياة.

ومن تلك المنطلقات والمرتكزات السابقة ندرك قيمة دراسة سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين في المجال التربوي التعليمي كما جاءت في مدخل الاقتداء، الذي يتحدد مفهومه في تمثل نموذج الكمال البشري، والتأسي به في سيرته العطرة وشمائله وأخلاقه، انطلاقا من استثمار مضامين ذلك المدخل في تكاملها مع مضامين سائر المداخل الأخرى، بالنظر إلى أن من أهم ما يقرب دلالات وأبعاد مضامين موضوعات المادة لأذهان المتعلمين وييسر فهمها وتمثلها، ما يقدم لهم من نماذج حية لتلك الموضوعات ابتغاء إثارة جوانب الخير في نفوسهم وترسيخها في سلوكهم، وأول تلك النماذج وأعلاها هي حياة وهدي خير العباد عليه الصلاة والسلام، من خلال معرفته والإلمام بأبرز صفاته وأخلاقه، ودراسة أحداث سيرته من جوانبها المختلفة، لأجل الاقتداء به والاهتداء بهديه.

على أن أهداف مدخل الاقتداء يتوقف تحقيقها ـ بقدر كبيرـ على الجوانب والمجالات التي تركز عليها دراسة السيرة، عند تصريف محتويات هذا المدخل في الفعل التعليمي التعلمي، وعلى رأس ذلك الاعتناء بمجال فقه السيرة وما تنطوي عليه من دروس وعبر وحكم نافعة للأجيال الناشئة، مع الانفتاح على بعض الكتابات المعاصرة في هذا المجال التي تحاول الربط بين السيرة وبين واقع الأمة، والاستفادة من تلك الكتابات في بعث المقاصد التي من أجل تحقيقها تم القيام بالتصرفات التي كونت وقائع تلك الفترة الذهبية من حياة الأمة، باعتبارها تمثل الرصيد التاريخي القيمي الأهم الذي تقتبس منه أجيال المسلمين زاد مسيرتها، من خلال إفادة النشء من النموذج التطبيقي الكامل في جميع تصرفاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، لتشكيلها بالمنهج الرباني للسيرة المحمدية، مما يرجى منه أن يضفي على حياتهم أنوار هدي النبوة وطريقتها الراشدة في التصرف في جميع مجالات الحياة.

وفي هذا الإطار تندرج الدراسة الجادة والمفيدة التي نقدمها في هذا العدد السابع عشر من سلسلة «ملفات تربوية»، الذي خصصناه لدراسة أخينا الفاضل المفتش التربوي لمادة التربية الإسلامية حسن لمعنقش تغمده الله برحمته، عن كتاب «السيرة النبوية ـ دروس وعبر» للدكتور مصطفى السباعي، وهي بعنوان: «نظرات في كتاب مصطفى السباعي حول السيرة النبوية»، حيث تناول فيها عدة قضايا ترتبط بكتاب مصطفى السباعي المشار إليه، بدأها بضوابط منهجية لدراسة السيرة النبوية، وأتبعها بالكلام عن حياة وعطاء المؤلف، ليصل لقراءة عامة للكتاب وتعليق عليه، ثم الوقوف على بعض مسائله المرتبطة بالمرأة، ليتناول في الأخير مجموعة من الأحاديث الواردة فيه بالنظر في صحتها وضعفها، ويختم دراسته بوقفة مع كتاب « إضاءات لتقريب دراسة المؤلفات: السيرة النبوية ـ دروس وعبر ». لمؤلفيه الأساتذة محمد احساين ومحمد الزباخ وأحمد جواهري وإبراهيم خليل.

وبعد، فإن هذه الدراسة القيمة تضمنت فوائد جمة، فيما يتعلق بالنظر في بعض القضايا التي تساعد على حسن التعامل مع كتاب مختصر ومفيد من كتب السيرة المعاصرة الهامة، وتيسر سبل النهل من حياض الكتاب المشار إليه وفهمه وإدراك ما ينطوي عليه من كشف عن دروس وعبر السيرة، مما يفيد كلا من مدرسي التربية الإسلامية والمتعلمين ـ على وجه الخصوص ـ وجميع القراء ـ عموما ـ في إبصار بعض الملامح المنهجية لدراسة السيرة، والاستفادة من المؤلفات فيها، والتنبه إلى جملة من دررها النفيسة وأبعادها ومقاصدها العامة، ومن ثمة تعتبر هذه المساهمة لبنة مفيدة في بناء صرح الدراسات الدائرة في فلك هذا المجال.

فنسأل الله عز وجل أن يتقبلها من صاحبها ويجعلها في ميزان حسناته، وأن ينفع بها كل من يطالعها من الدارسين والمهتمين، وأن يوفقنا إلى الخير ويهيئ لنا من أمرنا رشدا.

 

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Hide Buttons